{الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 3 - 4] ، إشارة إلى مدح ذاته لجميع صفات لطفه وقهره وجماله وجلاله في كماله وملكه بمالكيته وملكيته في الدنيا والآخرة قبل خلقها، وفيه دلالة على أنه ما أثنى وما شكر وما مدح الله أحداً إلا الله تعالى، كما قال تعالى، كما قال بعض المشايخ: ما قال أحداً إلله إلا الله، فلما عجز الخلق عن الثناء والشكر والمدح، فالثناء للسان والشكر للأركان؛ لقوله تعالى: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْراً} [سبأ: 13] . والمدح للجنان. شكر اللسان يعصمك من سيف السلطان ويسلمك من آفة الكفران، وشكر الأركان ينجيك من دركات النيران ويبلغك إلى درجات الجنان، ومدح الجنان يقربك إلى الرحمن ويشرفك بخلع الغفران، فالحمد بمعنى الثناء على نوعين: ثناء الذات بالوحدانية والفردانية الأزلية الأبدية في الألوهية، وثناء الصفات بأنهما موصوفة بصفات الكمال منزهة عن النقصان والزوال.
والحمد بمعنى الشكر على نوعيه: شكر الذات وشكر الصفات؛ فشكر الذات على نعمة الوجود، وشكر الصفات على بذل الوجود. والحمد بمعنى المدح على نوعين: مدح الذات بنفي الذات في الوجود إلا ذاته، ومدح الصفات ببذل الأوصاف وإنفائها في صفاته لتكون باقياً بهويته لا بأنانتيك. {رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2] ، فربوبيته بمعنى الخالقية والمالكية والسيدية عامة، وبمعنى التربية خاصة بحسب أنواع الموجودات متفاوتة؛ فهو مربي الأشباح بأنواع نعمه، ومربي الأرواح بأصناف كرمه، ومربي نفوس العابدين بأحكام الشريعة، ومربى قلوب المشتاقين بآداب الطريقة، ومربي أسرار المحبين بأنواع الحقيقة، وهو مدبر كل أمر حكيم من الأزل إلى الأبد، وهو متم نعمته الظاهرة والباطنة في الدنيا والعقبى على عباده والمؤمنين، كما قال تعالى: {وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} [المائدة: 3] .