{وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ ... (100) }
ومن هذا الباب - أعني: الحذف الذي قرينته وقوع الكلام جوابا عن سؤال مقدر - قوله تعالى: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ} [سورة الأنعام: 100] على وجه؛ فإن {لِلَّهِ شُرَكَاءَ} إن جعلا مفعولين لـ"جعلوا"، فـ"الجن"يحتمل وجهين: أحدهما ما ذكره الشيخ عبد القاهر من أن يكون منصوبا بمحذوف دل عليه سؤال مقدر، كأنه قيل: من جعلوا لله شركاء؟ فقيل: الجن، فيفيد الكلام إنكار الشرك مطلقا، فيدخل اتخاذ الشريك من غير الجن في الإنكار، دخول اتخاذه من الجن، والثاني: ما ذكره الزمخشري، وهو أن ينتصب {الْجِنَّ} بدلا من {شُرَكَاءَ} ، فيفيد إنكار الشريك مطلقا أيضا كما مر، وإن جُعل {لِلَّهِ} لغوا كان {شُرَكَاءَ الْجِنَّ} مفعولين، قدم ثانيهما على الأول، وفائدة التقديم استعظام أن يتخذ لله شريك مَلَكا كان أو جِنِّيا أو غيرهما، ولذلك قدم اسم الله على الشركاء، ولو لم يُبْنَ الكلام على التقديم وقيل:"وجعلوا الجن شركاء لله"لم يفد إلا إنكار جعل الجن شركاء، والله أعلم.
{لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103) }
ومن مراعاة النظير ما يسميه بعضهم تشابه الأطراف, وهو أن يختم الكلام بما يناسب أوله في المعنى؛ كقوله تعالى: {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [سورة الأنعام: 103] ، فإن اللطف يناسب ما لا يُدرَك بالبصر والخبرة تناسب من يدرك شيئا؛ فإن من يدرك شيئا يكون خبيرا به.
{وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا ... (138) }
أي: منافع ظهورها، وتقدير المنافع أولى من تقدير الركوب؛ لأنهم حرَّموا ركوبها وتحميلها، كقوله تعالى: لِمَنْ كَانَ يَرْجُو
اللَّهَ [سورة الأحزاب: 21] أي: رحمة الله، وقوله تعالى: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ} [سورة النحل: 50] أي: عذاب ربهم، وقد ظهر هذان المضافان في قوله تعالى: {وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ} [سورة الإسراء: 57] .
{وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ... (151) }