أجل ... يجب أن يجتاز أصحاب الدعوة هذه العقبة كي تنطلق طاقاتهم فلا يعوقها غبَش ولا يعيبها لَبس، وأن تبدأ دعوتهم إلى اللَّه باستبانة سبيل المجرمين فلا تأخذهم في كلمة الحق هوادة ولا مداهنة، ولا خشية ولا
خوف، وألا يقعدهم عنها أو يثبطهم صيحة مرجف أو لومة خائر ... وأن يحتملوا متاعب هذا المقام الزلخ والطريق اللاحبة، لأنهم على مفرق طريق: سبيلِ المؤمنين وسبيلِ المجرمين.
إنه التضمين ... لا يزال يفتر عن بديعة ... ويفضي إلى لطيفة.
(إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ ...(57)
ذكر أبو حيان: قُرئ يقضي الحق: معنى يُنفذه. فعداه إلى مفعول به.
وقيل: يقضي بمعنى يصنع، وقيل: حذف الباء أي بالحق. كل ما يصنعه فهو الحق. وقرأ مجاهد وابن جبير: يقضي بالحق. ولو قال: ينفذ الحق لكان أوْلى فإنفاذ الحكم من مستلزمات القضاء.
وقال الرازي: يقضي: القضاء الحق أو يصنع الحق. وقال
الجمل: وأما نصب الحق ففيه وجوه: الثاني: أنه ضمن يقضي معنى ينفذ فلذلك عدَّاه إلى المفعول به. والثالث: أن قضى بمعنى صنع غير مُعدى بنفسه.
والرابع: أنه على إسقاط حرف الجر أي يقضي بالحق فلما حذف انتصب مجروره. وفي قراءة يقص الحق من قص الأثر أي تتبعه فالحق مفعول به
وذكر الآلوسي: إما صفة مصدر أي يقضي قضاء الحق، أو مفعول به ويقضي متضمن معنى ينفذ، أو من قضى الدرع إذا صنعها أي يصنع الحق ويدبره كقول الهذلي:
* مسرودتان قضاهما داود *
وقال الزمخشري: يقضي القضاء الحق.
أقول: الحكم لله وحده، يقص الحق، ويخبر به، ويفصل فيه، فهو من شأن الألوهية وحدها، ومن خصائصها أما الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فبشر، يوحى إليه، فيبلِّغ ويُنذِر. فهل بعد هذا من تنزيه لذاته سبحانه!
لا تضمين إذاً في قراءة حفص (قص) ولا داعي إليه.
وباقي القراء (يقضي الحق) تضمن معنى أنفذه أو صنعه أو أمضاه.
إنه التضمين ... مفتاح سداد وذخيرة معاد.
(قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ...(58)
ذكر الجمل: تعدى استعجل بالباء من حيث تضمينه معنى المطالبة، وإلا فالذي في كتب اللغة أنه إنما يتعدى بنفسه.
أقول: لا تضمين في الفعل لأنه يتعدى بالباء وليس كما قال الجمل ففي
التنزيل: (بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ) .
وقَالَ تَعَالَى: (وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ) .