وخصت هذه السورة بالحذف موافقة لقوله: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ، وعدل إلى لفظ المستقبل لأن الياء إذا حذفت التبس اللفظ بالإضافة - تعالى الله عن ذلك - فنبّه بلفظ المستقبل؛ على قطع الإضافة لأن أكثر ما يستعمل (أفعل من) يستعمل مع الماضى نحو: أعلم من دبّ ودرج، وأحسن من قام وقعد، وأفضل من اعتمر وحج.
فتنبّه فإنه من أسرار القرآن.
* قوله تعالى: فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ بالفاء حيث وقع. وفي هود: سَوْفَ تَعْلَمُونَ بغير فاء؛ لأنه تقدم في هذه السورة وغيرها (قل) فأمرهم أمر وعيد بقوله:
اعْمَلُوا أي «اعملوا فستجزون» ولم يكن في هود [قل] فصار استئنافا، وقيل:
سَوْفَ تَعْلَمُونَ في هود صفة لعامل أي إنى عامل سوف تعلمون فحذف الفاء.
* قوله تعالى: سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ. وقال في النحل: وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ فزاد مِنْ دُونِهِ مرتين، وزاد «نحن» ؛ لأن لفظ الإشراك يدل على إثبات شريك ولا يجوز إثباته، ودل على تحريم أشياء، وتحليل أشياء من دون الله، فلم يحتج إلى لفظ (من دونه) بخلاف لفظ العبادة، فإنها غير مستنكرة، وإنما المستنكر عبادة شيء مع الله سبحانه، ولا يدل على تحريم شيء كما دل عليه (أشرك) ، فلم يكن بدّ من تقييده بقوله: (من دونه) .
ولما حذف (من دونه) من الآية مرتين حذف معه (نحن) لتطّرد الآية في حكم التخفيف.
* قوله تعالى: نَرْزُقُكُمْ وإياهم وقال في سبحان: نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ [على الضد؛ لأن التقدير [فى الآية] من إملاق بكم نحن نرزقكم وإياهم، وفي سبحان: خشية إملاق يقع بهم نحن نرزقهم وإياكم]،.
* قوله تعالى: ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، وفى الثانية: ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، وفى الثالثة ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ؛ لأن الآية الأولى مشتملة على ذكر [خمسة] أشياء كلها عظام جسام وكانت الوصية فيها من أبلغ الوصايا، فختم الآية الأولى بما في الإنسان من أشرف السجايا وهو العقل الذي امتاز به الإنسان عن سائر الحيوان.