إن العقيدة الإسلامية يجب أن تتمثل في نفوس حية , وفي تنظيم واقعي , وفي حركة تتفاعل مع الجاهلية من حولها , كما تتفاعل مع الجاهلية الراسبة في نفوس أصحابها - بوصفهم كانوا من أهل الجاهلية قبل أن تدخل العقيدة إلى نفوسهم وتنتزعها من الوسط الجاهلي . وهي في صورتها هذه تشغل من القلوب والعقول ومن الحياة أيضا مساحة أضخم وأوسع وأعمق مما تشغله"النظرية"; وتشمل - فيما تشمل - مساحة النظرية ومادتها . ولكنها لا تقتصر عليها .
إن التصور الإسلامي للألوهية وللوجود الكوني وللحياة وللإنسان , تصور شامل كامل . ولكنه كذلك تصور واقعي إيجابي . وهو يكره - بطبيعته - أن يتمثل في مجرد تصور ذهني معرفي . لأن هذا يخالف طبيعته وغايته . ويجب أن يتمثل في أناسي , وفي تنظيم حي , وفي حركة واقعية . . وطريقته في التكون أن ينمو من خلال الأناسي والتنظيم الحي والحركة الواقعية ; حتى يكتمل نظريا في نفس الوقت الذي يكتمل فيه واقعيا ; ولا ينفصل في صورة نظرية ; بل يظل ممثلا في الصورة الواقعية . .
وكل نمو نظري يسبق النمو الحركي الواقعي , ولا يتمثل من خلاله , هو خطأ وخطر كذلك بالقياس إلى طبيعة هذا الدين , وغايته , وطريقة تركيبه الذاتي .
والله سبحانه يقول:
(وقرآنا فرقناه , لتقرأه على الناس على مكث , ونزلناه تنزيلًا) . .
فالفرق مقصود . والمكث مقصود كذلك . . ليتم البناء التكويني المؤلف من عقيدة في صورة"منظمة حية"لا في صورة"نظرية معرفية"!
يجب أن يعرف أصحاب هذا الدين جيدا , أنه كما أن هذا الدين دين رباني , فإن منهجه في العمل منهج رباني كذلك , متواف مع طبيعته . وأنه لا يمكن فصل حقيقة هذا الدين عن منهجه في العمل .