به ويصدقونه، فإذا بلغ إليهم الدعوى يتفادون ولا يستكبرون، كقوله تعالى: {وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} [المائدة: 82] ، حين دعوا إلى التوحيد بخلاف المشركين، كما قال تعالى: {وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ} [المائدة: 83] ، إشارة أنهم سمعوا إذا سمعهم الله لما علم فيهم خيراً من أحسن الاستعداد الفطري في إنزال إلى الرسول من كلامه القديم كما أنزل إلى الذرات التي أخرجهما من ظهر آدم إذ قال لهم: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} [الأعراف: 172] ، فأسمعهم كلامه ووفقهم للجواب الصواب حتى شهدوا بربوبيته وقالوا: {بَلَى شَهِدْنَآ} [الأعراف: 172] فكذلك أسمعهم هاهنا كلامه وعرفهم حقيقة كلامه؛ فاشتاقوا إليه وتذكرت قلوبهم ما شاهدوا عند الميثاق من تلك المشاهدة؛ فبكوا بكاء الشوق وبكاء المعرفة كما أخبر عنهم، وقال تعالى: {تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ} [المائدة: 83] ، في الحق على أرواحهم؛ فكوشفت في الغيب بشواهد الحق فعرفوه وأمنوا به قالوا: {يَقُولُونَ رَبَّنَآ آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} [المائدة: 83] ، الذين شهدوا يوم الميثاق بالربوبية طوعاً ورغبة، فإن بعض الأرواح شهدوا كرهاً ورهبة.