-قلنا عن سورة المائدة إنها استمرار لسورة النساء في كونها تفصّل هي وسورة النساء، وسورة الأنعام بعدهما، في مقطع الطريقين: الطريق إلى التقوى، والطريق إلى الكفر والنفاق. وفصّلت سورة النساء بشكل أخص في الآية: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ وفصلت سورة المائدة بشكل أخص في قوله تعالى: وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ* الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ.
وتأتي خاتمة سورة المائدة لتقرّر أن دعوة عيسى عليه السلام هي الدعوة المحمدية نفسها: ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ. فبعد أن تمّ التفصيل للطريقين في سورة النساء، وسورة المائدة، تأتي خاتمة سورة المائدة لتقرّر أن ما دعا إليه القرآن الناس جميعا، من عبادة الله وحده، هو لباب دعوة كل رسول، ومنهم عيسى عليه الصلاة والسلام.
وتأتي خاتمة سورة المائدة وفيها تقرير لحقيقة عيسى عليه السلام، ودعوته بين يدي سورة الأنعام التي تناقش الكافرين بكفرهم وتقيم عليهم الحجة. فكأنّ هذه الخاتمة هي الربط ما بين سورتي المائدة والنساء، وبين سورة الأنعام، وهي السور الثلاث التي تفصّل مقطعا كاملا من سورة البقرة.
-وفي الخاتمة نموذج على ناس نقضوا العهد في شأن عيسى، ونموذج على ناس وصلوا ما أمر الله به أن يوصل وهم الحواريون. وفي المقطع نموذج على صلاح المصلحين في الأرض، وفيها إعلام بما ينجي عند الله وهو الصدق، وإعلان أن المالكية لله - عزّ وجل - وهو الإعلان الذي رأيناه في أواخر سورة البقرة، وأواخر سورة
آل عمران، وهو الذي ينبغي أن يقرّ به الإنسان ليكون ممن يعبد الله وحده.