(و) روي أن عيسى عليه السلام قام فلبس الشعر ، وكان يلبس الصوف بالنهار والشعر بالليل ، فلبس جبة من شعر ورداء من شعر ، ووضع يمينه على شماله ثم وضعهما على صدره ، ثم صف (بين) قدميه ، فألصق الكعب بالكعب ، وساوى الإبهام بالإبهام ، وطأطأ رأسه خاشعاً ، ثم أرسل عينيه بالبكاء ، فبكى حتى سالت الدموع على لحيته ، فجعلت تقطر على صدره ، فقال: {اللهم رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السمآء} ، فنزلت سفرة حمراء بين غمامتين غمامة فوقها ، وأخرى تحتها ، وهم ينظرون إليها تهوي مُنْقَضّة وعيسى صلوات الله عليه يبكي ويقول: اللهم اجعلني لك من الشاكرين ، إلهي اجعلها رحمة ولا تَجعلها عذاباً ، إلهي كم أسألك من العجائب فتعطيني ، إلهي أعوذ بك من أن تكون أنزلتها غضباً وزجراً ، اللهم اجعلها عافية وسلامة
ولا تجعلها مثلة ولا فتنة حتى استقرت بين يدي عيسى والناس حوله يجدون ريحاً طيباً ، لم يجدوا مثلها قط ، وخرّ عيسى ساجداً والحواريون معه ، وبلغ اليهود ذلك ، فأقبلوا غماً وكيداً ينظرون أمراً عجيباً ، وإذا منديلٌ قد غطى السفرة ، وجاء عيسى عليه السلام ، فجلس وقال: من كان أَجرأَنا وأَوثَقَنا بنفسه ، وأحسَنَنا يقيناً عند ربنا ، فليكشف عن هذه الآية حتى ننظر ونأكل ونسمي اسم ربنا ونحمد إلهنا . فقال {الحواريون} : أنت أولى بذلك يا روح الله وكلمته/ . فئوضاء عيسى وضؤاً جيداً ، وصلى صلاة طويلة ، ودعا دعاءً كثيراً ، وبكى بكاءً طويلاً ، ثم قام حتى جلس عند السفرة ثم قال: بسم الله خير الرازقين ، وكشف المنديل ، فإذا سمكة طرية مشوية ، ليس عليها قشورها ، وليس لها شوك ، وتسيل سيلاً من الدسم ، قدم نُضِّد حولها