ويستشهد بذات الله سبحانه على براءته ؛ مع التصاغر أمام الله وبيان خصائص عبوديته وخصائص ألوهية ربه:
{إن كنت قلته فقد علمته ، تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك. إنك أنت علام الغيوب} ..
وعندئذ فقط ، وبعد هذه التسبيحة الطويلة يجرؤ على الإثبات والتقرير فيما قاله وفيما لم يقله ، فيثبت أنه لم يقل لهم إلا أن يعلن عبوديته وعبوديتهم لله ويدعوهم إلى عبادته:
{ما قلت لهم إلا ما أمرتني به: أن اعبدوا الله ربي وربكم} .
ثم يخلي يده منهم بعد وفاته.. وظاهر النصوص القرآنية يفيد أن الله - سبحانه - قد توفى عيسى بن مريم ثم رفعه إليه. وبعض الآثار تفيد أنه حي عند الله. وليس هنالك - فيما أرى - أي تعارض يثير أي استشكال بين أن يكون الله قد توفاه من حياة الأرض ، وأن يكون حياً عنده. فالشهداء كذلك يموتون في الأرض وهم أحياء عند الله. أما صورة حياتهم عنده فنحن لا ندري لها كيفاً. وكذلك صورة حياة عيسى - عليه السلام - وهو هنا يقول لربه: إنني لا أدري ماذا كان منهم بعد وفاتي:
{وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم ، فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد} ..
وينتهي إلى التفويض المطلق في أمرهم ؛ مع تقرير عبوديتهم لله وحده. وتقرير قوة الله على المغفرة لهم أو عذابهم ؛ وحكمته فيما يقسم لهم من جزاء سواء كان هو المغفرة أو العذاب:
{إن تعذبهم فإنهم عبادك ، وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} ..
فيا لله للعبد الصالح في موقفه الرهيب!
وأين أولئك الذين أطلقوا هذه الفرية الكبيرة ؛ التي يتبرأ منها العبد الطاهر البريء ذلك التبرؤ الواجف ، ويبتهل من أجلها إلى ربه هذا الابتهال المنيب؟
أين هم في هذا الموقف ، في هذا المشهد؟. . إن السياق لا يلقي إليهم التفاته واحدة. فلعلهم يتذاوبون خزياً وندماً. فلندعهم حيث تركهم السياق! لنشهد ختام المشهد العجيب: