ولقد كان من المجاوبة بين الله تعالى، وبين السيد المسيح - عليه السلام - في شأن الأوهام التي توهمها من يدعون النسبة إليه، وذكرت هذه الأوهام كأنها واقعة في زمن المسيح - عليه السلام - وهي قد وقعت من بعده ولم يحضرها، ثم المجاوبة تكون من بعد ذلك، إذ إنها تكون يوم القيامة يوم يجمع الله تعالى الرسل، ويسألهم عما كان من شأن إجابات أقوامهم، واختص سبحانه وتعالى بالذكر عيسى لما ذكرنا من أنه أشد الأنبياء افتراء عليه إذ ادعوا أنه ابن الله وأن الله ثالث ثلاثة، وذكرت أخبار يوم القيامة - كأنها حاضرة لتحضر بين يدي النصارى الذين ادعوا ما ادعوا بالصيغة الإنكارية التي تكون من المسيح عليه السلام - يوم، ليتبينوا أن المسيح - عليه السلام - بريء منهم، ومما يتكلمون به حول ذاته النبوية البشرية.
وخلاصة تلك المجاوبة:
أن العلي القدير سأله سؤال العالم بالجواب (أَأَنتَ قلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ) ، وكان الجواب بالنفي؛ لأن الله تعالى يعلم أنه لم يقع وما
كان لهم أن يعتقدوا في السيد المسيح - عليه السلام - أو أمه ألوهية؛ لأنهما كانا يأكلان الطعام، ويمشيان في الأسواق، وذلك شأن البشرية، لَا شأن من يكون إلها.
وقد تضمن الجواب تأكيد النفي بأنه ليس من شأنه، ولا يحق له؛ لأنه بشر مخلوق لله سبحانه وتعالى، فالبشرية لَا تتخلى عنه، وأنه لَا يمكن أن يكون إلها، يشارك الله تعالى في خلقه، فالله خالقه، ولا يمكن أن يكون المخلوق كالخالق، ولأن الله تعالى هو الذي يربه بعد خلقه، وهو الذي علمه الحكمة، وهو الذي جعله يتكلم كما يتكلم الراشدون في المهد، فكان كلامه في المهد ككلامه وهو كهل، أي رشيد قد اكتملت رجولته، واستوى خلقه، وهذا يدل على أن السيد المسيح - عليه السلام - عاش إلى أن بلغ سن الكهولة، فقد بلغ أشده، وبلغ أربعين، وإن كانت كتب النصارى الحاضرين تومئ إلى أنه لم يصل إلى الأربعين.
وقد ذكر سيدنا عيسى - عليه السلام - أنهم في رقابة الله تعالى من بعده، يعلم حالهم، ومآل أمرهم وانحرافهم عن الجادة التي أرشدهم - إليها الله تعالى على لسان نبيه الأمين عيسى - عليه السلام.