وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّالِثُ مِنْ أَجْوِبَتِهِ فَمَبْنِيٌّ عَلَى جَوَازِ تَوْبَةِ مَنْ قَالُوا ذَلِكَ الْكُفْرَ ، وَهُوَ بَدِيهِيُّ الْبُطْلَانِ ، وَلَوْ صَحَّ لَقِيلَ: إِنَّ الْمَعْهُودَ فِي الْقُرْآنِ أَنْ تُقْرَنَ الْمَغْفِرَةُ لِلتَّائِبِينَ بِذِكْرِ الْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ لَا بِذِكْرِ الْعِزَّةِ وَالْحِكْمَةِ .
وَأَمَّا الْوَجْهُ الرَّابِعُ فَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ مُخَالِفًا لِلْجُمْهُورِ مِنْ أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ وَالْجَوَابَ فِي الْآيَاتِ كَانَا بَعْدَ رَفْعِ عِيسَى إِلَى السَّمَاءِ (قَالَ فِي تَصْوِيرِهِ) يَعْنِي: إِنْ تَوَفَّيْتَهُمْ
عَلَى الْكُفْرِ وَعَذَّبْتَهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ فَلَكَ ذَاكَ ، وَإِنْ أَخْرَجْتَهُمْ بِتَوْفِيقِكَ مِنْ ظُلْمَةِ الْكُفْرِ إِلَى نُورِ الْإِيمَانِ وَغَفَرْتَ لَهُمْ مَا سَلَفَ مِنْهُمْ فَلَكَ أَيْضًا ذَاكَ ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَلَا إِشْكَالَ اهـ .
وَأَقُولُ: إِنَّ هَذَا الْوَجْهَ أَضْعَفُ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي قَبْلَهُ ، فَجَمِيعُ مَا أَوْرَدَهُ الرَّازِيُّ مِنَ الْوُجُوهِ ضَعِيفٌ ، وَمَا كَانَ لِيَخْفَى ضَعْفُهَا بَلْ سُقُوطُهَا وَبُطْلَانُ كَثِيرٍ مِنْ مَسَائِلِهَا عَلَى ذَكَائِهِ النَّادِرِ ، وَاطِّلَاعِهِ الْوَاسِعِ ، لَوْلَا عَصَبِيَّةُ الْمَذَاهِبِ . وَلَكِنَّ قَوْلَهُ فِي أَثْنَاءِ شَرْحِ الْوَجْهِ الثَّانِي إِنَّ مَقْصِدَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ كَلَامِهِ تَفْوِيضُ الْأَمْرِ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ ، وَقَدْ هَدَانَا اللهُ تَعَالَى إِلَى تَفْسِيرِهِ ، وَشَرْحِ نُكْتَةِ الْبَلَاغَةِ فِيهِ بِأَوْضَحِ تَبْيِينٍ .