وَلَمَّا كَانَ الْمُرَادُ مِنَ السُّؤَالِ الَّذِي أُجِيبَ عَنْهُ بِهَذَا الْجَوَابِ هُوَ إِقَامَةُ الْحُجَّةِ الَّتِي يَظْهَرُ بِهَا عَدْلُ اللهِ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا يُجْزَى بِهِ مَنِ اتَّخَذَ عِيسَى وَأُمَّهُ إِلَهَيْنِ وَغَيْرَهُمْ مِنْ قَوْمِهُ فَوَّضَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَمْرَ الْجَزَاءِ إِلَيْهِ تَعَالَى بِحَسَبِ مَا تَقْتَضِيهِ شَهَادَتُهُ تَعَالَى وَصِفَاتُهُ فَقَالَ: (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) أَيْ إِنْ تَعَذِّبْ أُولَئِكَ النَّاسَ الَّذِينَ أَرْسَلْتَنِي إِلَيْهِمْ فَبَلَّغْتُهُمْ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ مِنْ تَوْحِيدِكَ وَعِبَادَتِكَ وَحْدَكَ ، فَضَلَّ مَنْ ضَلَّ مِنْهُمْ ، وَقَالُوا مَا لَمْ أَقُلْهُ لَهُمْ ، وَاهْتَدَى مَنِ اهْتَدَى مِنْهُمْ فَلَمْ يَعْبُدُوا مَعَكَ أَحَدًا مِنْ دُونِكَ ، فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَأَنْتَ رَبُّهُمُ الْأَوْلَى وَالْأَحَقُّ بِأَمْرِهِمْ وَلَسْتُ أَنَا وَلَا غَيْرِي مِنَ الْخَلْقِ بِأَرْحَمَ بِهِمْ ، وَلَا بِأَعْلَمَ بِحَالِهِمْ ، وَإِنَّمَا تَجْزِيهِمْ بِحَسَبِ عِلْمِكَ بِظَوَاهِرِهِمْ وَبَوَاطِنِهِمْ ، فَأَنْتَ أَعْلَمُ بِالْمُؤْمِنِ الْمُوَحِّدِ ، وَالْمُشْرِكِ الْمُثَلِّثِ ، وَالطَّائِعِ الصَّالِحِ ، وَالْعَاصِي الْفَاسِقِ ، وَالْمُقِرِّ لِلْكُفْرِ وَالْفِسْقِ وَالْمُنْكِرِ لَهُمَا ، وَأَنْتَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ، وَلَا تَظْلِمُ أَحَدًا مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فَالْمُرَادُ إِذًا إِنْ تَعَذِّبْ فَإِنَّمَا تَعَذَّبُ مَنْ يَسْتَحِقُّ التَّعْذِيبَ مِنْهُمْ ، وَلَا يَمْنَعُ إِرَادَةُ هَذَا الْمَعْنَى إِطْلَاقَ الضَّمِيرِ الرَّاجِعِ إِلَى جُمْلَتِهِمْ ، فَإِنَّهُ ضَمِيرُ