الْأَكْثَرُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ مُشْرِكُو الْعَرَبِ عِنْدَ الْبَعْثَةِ كَمَا حَكَى الله عَنْهُمْ فِي قَوْلِهِ: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ) (10: 18) وَقَوْلِهِ: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى) (39: 3) إِلَخْ . وَقَلَّمَا يُوجَدُ فِي مُتَعَلِّمِي الْحَضَرِ مَنْ يَتَّخِذُ إِلَهًا غَيْرَ اللهِ مُتَجَاوِزًا بِعِبَادَتِهِ الْإِيمَانَ بِاللهِ الَّذِي هُوَ خَالِقُ الْكَوْنِ وَمُدَبِّرُهُ ، فَإِنَّ الْإِيمَانَ الْفِطْرِيَّ الْمَغْرُوسَ فِي غَرَائِزِ الْبَشَرِ هُوَ أَنَّ تَدْبِيرَ الْكَوْنِ كُلِّهِ صَادِرٌ عَنْ قُوَّةٍ غَيْبِيَّةٍ لَا يُدْرِكُ أَحَدٌ كُنْهَهَا ، فَالْمُوَحِّدُونَ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ يَتَوَجَّهُونَ بِعِبَادَاتِهِمُ الْقَوْلِيَّةِ وَالْفِعْلِيَّةِ إِلَى صَاحِبِ هَذِهِ الْقُوَّةِ الْغَيْبِيَّةِ وَحْدَهُ ، مُعْتَقِدِينَ أَنَّهُ هُوَ الْفَاعِلُ الْمُطْلَقُ وَحْدَهُ ، وَإِنْ كَانَ فِعْلٌ يُنْسَبُ إِلَى غَيْرِهِ فَإِنَّمَا يُنْسَبُ إِلَيْهِ كَذِبًا ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ فَعَلَهُ بِإِقْدَارِ اللهِ إِيَّاهُ عَلَيْهِ وَتَسْخِيرِهِ لَهُ بِمُقْتَضَى سُنَنِهِ فِي خَلْقِهِ الَّتِي قَامَ بِهَا نِظَامُ الْأَسْبَابِ وَالْمُسَبِّبَاتِ بِمَشِيئَتِهِ وَحِكْمَتُهُ ، وَالْمُشْرِكُونَ يَتَوَجَّهُونَ تَارَةً إِلَيْهِ وَتَارَةً إِلَى بَعْضِ مَا يَسْتَكْبِرُونَ خَصَائِصَهُ مِنْ خَلْقِهِ ، كَالشَّمْسِ وَالنَّجْمِ ، وَبَعْضِ مَوَالِيدِ الْأَرْضِ ، وَتَارَةً يَتَوَجَّهُونَ إِلَيْهِمَا مَعًا فَيَجْعَلُونَ الثَّانِي وَسِيلَةً إِلَى الْأَوَّلِ ، وَمَنْ يَشْعُرُ بِسُلْطَةٍ غَيْبِيَّةٍ تَتَجَلَّى لَهُ فِي بَعْضِ الْخَلْقِ