قِيلَ: إِنَّهُ لَيْسَ فِي وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَخْبَارِ الَّتِي جَاءَتْ بِهَذَا الْمَعْنَى بَيَانٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَدَّ مِنْ ذَلِكَ مَا رَدَّ وَقَدْ ذَبَحَهُ الذَّابِحُ إِذْ ذَبَحَهُ وَهُوَ حَلَالٌ لِحَلَالٍ، ثُمَّ أَهْدَاهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ حَرَامٌ، فَرَدَّهُ وَقَالَ: إِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَنَا لَأَنَّا حُرُمٌ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ فِيهِ أَنَّهُ أُهْدِيَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَحْمُ صَيْدٍ فَرَدَّهُ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَدَّهُ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ ذَابِحَهُ ذَبَحَهُ، أَوْ صَائِدَهُ صَادَهُ، مِنْ أَجْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَقَدْ بَيَّنَ خَبَرُ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: «لَحْمُ صَيْدِ الْبَرِّ لِلْمُحْرِمِ حَلَالٌ، إِلَّا مَا صَادَهُ أَوْ صِيدَ لَهُ» مَعْنَى ذَلِكَ كُلِّهِ: فَإِنْ كَانَ كِلَا الْخَبَرَيْنِ صَحِيحًا مَخْرَجُهُمَا، فَوَاجِبٌ التَّصْدِيقُ بِهِمَا وَتَوْجِيهُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى الصَّحِيحِ مِنْ وَجْهٍ، وَأَنْ يُقَالَ رَدَّهُ مَا رَدَّ مِنْ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ كَانَ صِيدَ مِنْ أَجْلِهِ، وَإِذْنُهُ فِي كُلِّ مَا أَذِنَ فِي أَكْلِهِ مِنْهُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ صِيدَ لِمُحْرِمٍ وَلَا صَادَهُ مُحْرِمٌ، فَيَصِحُّ مَعْنَى الْخَبَرَيْنِ كِلَيْهِمَا. وَاخْتَلَفُوا فِي صِفَةِ الصَّيْدِ الَّذِي عَنَى اللَّهُ تَعَالَى بِالتَّحْرِيمِ فِي قَوْلِهِ: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: صَيْدُ الْبَرِّ: كُلُّ مَا كَانَ يَعِيشُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَإِنَّمَا صَيْدُ الْبَحْرِ مَا كَانَ يَعِيشُ فِي الْمَاءِ دُونَ الْبَرِّ وَيَأْوِي إِلَيْهِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: صَيْدُ الْبَرِّ مَا كَانَ كَوْنُهُ فِي الْبَرِّ أَكْثَرَ مِنْ كَوْنِهِ فِي الْبَحْرِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}