الثامنة إذا أحرم وبيده صيد أو في بيته عند أهله فقال مالك: إن كان في يده فعليه إرساله، وإن كان في أهله فليس عليه إرساله.
وهو قول أبي حنيفة وأحمد بن حنبل.
وقال الشافعي في أحد قوليه: سواء كان في يده أو في بيته ليس عليه أن يرسله.
وبه قال أبو ثور، وروي عن مجاهد وعبد الله بن الحرث مثله، وروي عن مالك.
وقال ابن أبي ليلى والثوريّ والشافعيّ في القول الآخر: عليه أن يرسله، سواء كان في بيته أو في يده؛ فإن لم يرسله ضَمِن.
وجه القول بإرساله قوله تعالى: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البر مَا دُمْتُمْ حُرُماً} وهذا عام في المِلك والتصرف كله.
ووجه القول بإمساكه: أنه معنى لا يمنع من ابتداء الإحرام فلا يمنع من استدامة ملِكه؛ أصله النكاح.
التاسعة فإن صاده الحلال في الحِلّ فأدخله الحرم جاز له التصرف فيه بكل نوع من ذبحه، وأكل لحمه.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز.
ودليلنا أنه معنًى يُفعلَ في الصيد فجاز في الحرم للحلال، كالإمساك والشراء ولا خلاف فيها.
العاشرة إذا دل المحرم حِلاَّ على صيد فقتله الحلال اختلف فيه؛ فقال مالك والشافعي وأبو ثور: لا شيء عليه؛ وهو قول ابن الماجِشُون.
وقال الكوفيون وأحمد وإسحاق وجماعة من الصحابة والتابعين: عليه الجزاء؛ لأن المحرم التزم بإحرامه ترك التعرّض؛ فيضمن بالدلالة كالمودع إذا دل سارقاً على سرقة.
الحادية عشرة واختلفوا في المحرم إذا دل محرماً آخر؛ فذهب الكوفيون وأشهب من أصحابنا إلى أن على كل واحد منهما جزاء.
وقال مالك والشافعي وأبو ثور: الجزاء على المحرم القاتل؛ لقوله تعالى: {وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً} فعلق وجوب الجزاء بالقتل، فدل على انتفائه بغيره؛ ولأنه دالّ فلم يلزمه بدلالته غُرْم، كما لو دل الحلال في الحرم على صيد في الحرم.
وتعلق الكوفيون وأشهب بقوله عليه السَّلام في حديث أبي قَتَادة:"هل أَشرتم أو أَعنتم"؟ وهذا يدل على وجوب الجزاء.
والأوّل أصح. والله أعلم.
الثانية عشرة إذا كانت شجرة نابتة في الحل وفرعها في الحرم فأصيب ما عليه من الصيد ففيه الجزاء؛ لأنه أخذ في الحرم.
وإن كان أصلها في الحرم وفرعها في الحل فاختلف علماؤنا فيما أُخذ عليه على قولين: الجزاء نظراً إلى الأصل، ونفيه نظراً إلى الفرع.
الثالثة عشرة: قوله تعالى: {واتقوا الله الذي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} تشديد وتنبيه عقب هذا التحليل والتحريم، ثم ذكر بأمر الحشر والقيامة مبالغة في التحذير. والله أعلم. انتهى انتهى. {تفسير القرطبي حـ 6 صـ}