ولماذا الوبال؟ لأن الإنسان حين يدفع من ماله ثمن شراء المثل لما قتل سيعز عليه ماله ، وأيضاً إن أطعم مساكين فهو سيشتري الطعام بمال يعز عليه ، وكذلك يسبب له الصيام الإرهاق . إن هذا اللون من الكفارة يذيق الإنسان وبال ما فعل . وأراد الحق بذلك ألا يجعل الإحساس مجرد أمر شكلي ، أو أن تظل الإساءة أمراً شكلياً . وشاء سبحانه أن يرتب النفع للإحسان والضر للإساءة ، حتى تستقيم الأمور في الكون . ولنا في قصة ذي القرنين المثل الواضح على ذلك: {وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي القرنين قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْراً * إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأرض وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً} [الكهف: 83 - 84] .
لقد مكن الحق لذي القرنين في الأرض ، وأعطاه من كل شيء سببا . ومع ذلك لم يركن ذو القرنين إلى ما أعطى فلم يتقاعس ولم يكسل ، بل يخبرنا الحق: {فَأَتْبَعَ سَبَباً} [الكهف: 85] .
لقد أخذ ذو القرنين من تمكين الله له في الأرض ، وأخذ من عطاء الله له بشيء من كل سبب ، إنه أخذ طاقة وإحساساً بالمسئولية ليواصل مهمته: {حتى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشمس وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً قُلْنَا ياذا القرنين إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً} [الكهف: 86] .