وَدَلَّ بِمَا أَنْزَلَ مِنْ الْآيِ الْمُحْتَمِلَةِ لِلْوُجُوهِ مِنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي طَرِيقُ اسْتِدْرَاكِ مَعَانِيهَا السَّمْعُ عَلَى تَسْوِيغِ الِاجْتِهَادِ فِي طَلَبِهَا ، وَأَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ مُكَلَّفٌ بِالْقَوْلِ بِمَا أَدَّاهُ إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ وَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ رَأْيُهُ وَنَظَرُهُ ، وَأَنَّ مُرَادَ اللَّهِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ اعْتِقَادُ مَا أَدَّاهُ إلَيْهِ نَظَرُهُ ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ لَنَا سَبِيلٌ إلَى اسْتِدْرَاكِهِ إلَّا مِنْ طَرِيقِ السَّمْعِ وَكَانَ جَائِزًا تَعَبَّدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ طَرِيقِ النَّظَرِ بِمِثْلِ مَا حَصَلَ عَلَيْهِ اجْتِهَادُهُ ، فَوَجَبَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مِنْ حَيْثُ جَعْلِ لَفْظِ الْكِتَابِ مُحْتَمِلًا لِلْمَعَانِي أَنْ يَكُونَ مُشَرِّعًا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ عِنْدَهُ فَحْوَى الْآيَةِ وَمَا فِي مَضْمُونِ الْخِطَابِ وَمُقْتَضَاهُ مِنْ وُجُوهِ الِاحْتِمَالِ.
فَانْظُرْ عَلَى كَمْ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ بِفَحْوَاهَا وَمُقْتَضَاهَا مِنْ لَطِيفِ الْمَعَانِي وَكَثْرَةِ الْفَوَائِدِ وَضُرُوبِ مَا أَدَّتْ إلَيْهِ مِنْ وُجُوهِ
الِاسْتِنْبَاطِ وَهَذِهِ إحْدَى دَلَائِلِ إعْجَازِ الْقُرْآنِ ؛ إذْ غَيْرُ جَائِزٍ وُجُودُ مِثْلِهِ فِي كَلَامِ الْبَشَرِ.
وَأَنَا ذَاكِرٌ مُجْمَلًا مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مُفَصَّلًا لِيَكُونَ أَقْرَبَ إلَى فَهْمِ قَارِئِهِ إذَا كَانَ مَجْمُوعًا مَحْصُورًا ، وَاَللَّهُ تَعَالَى نَسْأَلُ التَّوْفِيقَ.
فَأَوَّلُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ حُكْمِ قَوْله تَعَالَى: {إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ} مَا احْتَمَلَهُ اللَّفْظُ مِنْ إرَادَةِ الْقِيَامِ.
وَالثَّانِي: مَا اقْتَضَتْهُ حَقِيقَةُ اللَّفْظِ مِنْ إيجَابِ الْغَسْلِ بَعْدَ الْقِيَامِ.