وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ. أي: بسبب ميثاقهم ليخافوا فلا ينقضوه. قال ابن كثير: «وذلك حين امتنعوا عن الالتزام بأحكام التوراة، وظهر منهم إباء عما جاءهم به موسى عليه السلام، رفع الله على رءوسهم جبلا ثم ألزموا فالتزموا ... » . وهذا مظهر آخر من مظاهر ظلمهم إذ احتاج أخذ الميثاق عليهم إلى رفع الجبل فوقهم وتهديدهم. ثم أن يكون مع مثل هذا نقض للميثاق فما أفظع هذه الطبيعة؟. وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً أمروا أن يدخلوا باب القدس سجدا، أي مطأطئين الرءوس عند دخولهم، فخالفوا ما
أمروا به، وعصوا فهي طبيعتهم، العصيان والمخالفة. وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ. أي: أوصيناهم بحفظ السبت، والتزام ما حرم الله عليهم، فلا يتجاوزون الحد فيه، فخالفوا وعصوا واحتالوا على ارتكاب ما حرم الله عليهم، تلك طبيعتهم.
وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً. أي: عهدا شديدا،
فنقضوا مواثيقهم كلها بدليل قوله تعالى بعد ذلك: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ. أي: فبنقضهم العهود التي أخذها الله عليهم، والجواب والعقوبة سيأتيان بعد خمس آيات كما سنرى. وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ. أي: وكفرهم بحججه وبراهينه والمعجزات التي شاهدوها على يد الأنبياء عليهم السلام. وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ. أي: بغير سبب يستحقون به القتل، والرسل لا يرتكبون ما يستحقون به القتل، ولكن حتى لا يتوهم متوهم ذكرت، وما قتلوهم إلا لشدة إجرامهم واجترائهم على أنبياء الله، فإنهم قتلوا جمعا غفيرا من الأنبياء عليهم السلام كما سنرى في قسم الفوائد. وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ.
أي: قلوبنا مغطاة محجوبة لا يتوصل إليها شيء من الذكر والوعظ وهو كالاعتذار، وما أقبحه من اعتذار. لذلك رد الله عليهم بقوله: بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ.
أي: بسبب كفرهم فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا. أي: إلا قليلا منهم يؤمنون، كعبد الله بن سلام وأمثاله.