وَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّمَا جَعَلْنَاهُ إِلَهًا لِأَنَّهُ سَمَّى نَفْسَهُ ابْنَ اللَّهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ الْإِنْجِيلِ، كَقَوْلِهِ: إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى أَبِي، وَإِنِّي سَائِلُ أَبِي، وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَابْنُ الْإِلَهِ إِلَهٌ، قِيلَ: فَاجْعَلُوا أَنْفُسَكُمْ آلِهَةً كُلُّكُمْ، فَإِنَّ فِي الْإِنْجِيلِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَنَّهُ سَمَّاهُ أَبَاهُ وَأَبَاهُمْ، كَقَوْلِهِ: إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى أَبِي وَأَبِيكُمْ.
وَفِيهِ: لَا تَنَسِبُوا أَبَاكُمْ عَلَى الْأَرْضِ فَإِنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ وَحْدَهُ، وَهَذَا كَثِيرٌ فِي الْإِنْجِيلِ وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَبَّ عِنْدَهُمْ: الرَّبُّ.
وَإِنْ جَعَلْتُمُوهُ إِلَهًا لِأَنَّ تَلَامِيذَهُ ادَّعَوْا ذَلِكَ، وَهُمْ أَعْلَمُ النَّاسِ بِهِ كَذَّبَتْكُمْ أَنَاجِيلُكُمُ الَّتِي بِأَيْدِيكُمْ، وَكُلُّهَا صَرِيحَةٌ أَظْهَرَ صَرَاحَةٍ بِأَنَّهُمْ مَا ادَّعَوْا لَهُ إِلَّا مَا ادَّعَاهُ لِنَفْسِهِ مِنْ أَنَّهُ عَبْدٌ.
فَهَذَا مَتَّى يَقُولُ فِي الْفَصْلِ التَّاسِعِ مِنْ إِنْجِيلِهِ مُحْتَجًا بِنُبُوَّةِ أَشْعِيَا فِي الْمَسِيحِ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: هَذَا عَبْدِي الَّذِي اصْطَفَيْتُ وَحَبِيبِي الَّذِي ارْتَاحَتْ نَفْسِي لَهُ.
وَفِي الْفَصْلِ الْحَادِي عَشَرَ مِنْ إِنْجِيلِهِ: إِنِّي أَشْكُرُكَ يَا رَبَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ.
وَهَذَا لُوقَا يَقُولُ فِي آخِرِ إِنْجِيلِهِ: إِنَّ الْمَسِيحَ عَرَضَ لَهُ وَلِآخَرَ مِنْ تَلَامِيذِهِ فِي الطَّرِيقِ مَلَكٌ وَهُمَا مَحْزُونَانِ، فَقَالَ لَهُمَا وَهُمَا لَا يَعْرِفَانِهِ: مَا بَالِكُمَا مَحْزُونَيْنِ؟ فَقَالَا: كَأَنَّكَ غَرِيبٌ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، إِذْ كُنْتَ لَا تَعْلَمُ مَا حَدَثَ فِيهَا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ مِنْ أَمْرِ يَسُوعَ النَّاصِرِيِّ، فَإِنَّهُ كَانَ رَجُلًا نَبِيًّا قَوِيًّا تَقِيًّا فِي قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الْأُمَّةِ، أَخَذُوهُ وَقَتَلُوهُ. وَهَذَا كَثِيرٌ جِدًّا فِي الْإِنْجِيلِ!
وَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّمَا جَعَلْنَاهُ إِلَهًا لِأَنَّهُ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ فَهَذَا أَخْنُوخُ وَإِلْيَاسُ قَدْ صَعِدَا إِلَى السَّمَاءِ وَهُمَا حَيَّانِ مُكَرَّمَانِ لَمْ تَشُكْهُمَا شَوْكَةٌ وَلَا طَمَعَ فِيهِمَا طَامِعٌ.