الوجه الثالث: أن المجوس أعداء للمسلمين والنصارى واليهود مثلكم وشأن العدو أن يطلب لعدوه العثرات، ويتبع منه العورات، ولا شك أنهم تتبعوا عثراتكم. وعثرات اليهود فوجدوها.
أما عثراتكم فدعواكم التثليث وإلهية المسيح، وغير ذلك من سخافاتكم.
وأما عثرات اليهود فأكثر من أن تحصى على ما دلت عليه كتب الأنبياء المتقدمين والمتأخرين كقتلهم الأنبياء بغير حق وتعديهم حدود الله، وإبائهم عن الانقياد له ولرسله وكيدهم المسيح وبغضهم عليه مع
إظهاره العجائب والبينات. ومعصيتهم الله - سبحانه - سلط على أوائلهم فرعون فسامهم سوء العذاب، خمسمائة عام حتى استنقذهم الله بموسى، ثم كان له معهم من التعب ما لا يخفى.
وأما المسلمون فلم يجدوا لهم عثرة يقدحون بها فيهم، فقووكم على صلب المسيح ليوهموا بذلك القدح في القرآن كيدا للمسلمين ولو لم يكن إلا مجرد احتمال هذا للقصد منهم، كان ذلك تهمة لهم تقتضي عدم الالتفات إلى مقالهم.
وأما ما ذكره من نص الكتب المقدسة. ككتاب أشعياء ودانيال وإنجيل متى فجوابه من وجوه:
أحدها: الجواب العام من عدم الوثوق بهذه الكتب لتقادم عهدها ونقلها من لغة إلى لغة وتهمة اليهود والنصارى عليها خصوصا الإنجيل. فإنا قد بينا في التعليق عليه ما يقيم عذرنا في عدم الوثوق به، من الاختلاف والتناقض.
ونص كلام أشعياء:"لكن أحزاننا حملها، وأوجاعنا تحملها. ونحن حسبناه مصابا مضروبا من الله ومذلولا. وهو مجروح لأجل معاصينا، مسحوق لأجل آثامنا، تأديب سلامنا عليه، وبحبره شفينا، كلنا كغنم ضللنا. ملنا كل واحد إلى طريقه، والرب وضع عليه إثم جميعنا."
ظلم أما هو فتذلل ولم يفتح فاه، كشاة تساق إلى الذبح، وكنعجة صامته أمام جازيها، فلم يفتح فاه. من الضغطة ومن الدينونة أخذ، وفي جيله من كان يظن أنه قطع من أرض الأحياء.
أنه ضرب من أجل ذنب شعبي، وجعل مع الأشرار قبره، ومع غنى عند موته، على أنه لم يعمل ظلما، ولم يكن في فمه غش"."
وقوله:"ويساق إلى الذبح، وكنعجة صامته أمام جازيها، فلم يفتح فاه"
لا حجة فيه على وقوع القتل، بل على القود إلى القتل. ونحن نقول به، فإنهم قادوه ليقتلوه، فخلصه الله بما ذكرناه، وكم من قيد إلى القتل ثم نجا، فلم يقع به القتل.
قلت: وفي كلام أشعياء هذا تصريح بالإخبار بقتله ودفنه. لكن عليه إشكالان: