أحدهما: أن في أول هذا الفصل بعينه، وهو النبوة في المسيح:"إن عبدي ليفهم وبرتفع ويتعظم ويتعالى جدا، حتى يتعجب منه كثير من الناس"
وساق صفاته إلى أن اتصل بذكر قتله ودفنه، فهذا تصريح بأن المسيح عبد الله، وأنتم تقولون: هو الله، أو ابن الله، كما صرح
به الإنجيل.
فإن قلتم بمجموع الأمرين أعني عبوديته وقتله، فقد خالفتم دينكم في القول بالعبودية.
وإن ألغيتم الأمرين ولم تعتدوا بهما فقد سقط عنا إشكال الإخبار بالقتل.
وإن قلتم بأحدهما دون الآخر وهو القتل كان ذلك ترجيحا من غير مرجح، واحتجاجا بكلام تقدحون في بعضه ثم نقابلكم بمثله، فنقول بالعبودية دون القتل.
فإن قيل: ذكر العبودية باعتبار ناسوت المسيح، كآلهيته حتى باعتبار لاهوته؟
قلنا: هذا هوس، وأنتم عند التحقيق عاجزون عن إثباته. وقد وجهت ذلك في التعليق على الإنجيل.
الإشكال الثاني: أن أشعياء قبل المسيح بخمسمائة عام أو نحوها، وهو يحكي ما جرى للمسيح بلفظ الماضي حيث قال:"أما هو فتذلل، ولم يفح فاه، كشاة تساق إلى الذبح وكنعجة صامتة أمام جازيها"ونحو ذلك من صيغ الماضي وحقه أن يذكر بصيغة المستقبل.
وهذا يدل على اضطراب هذه الأخبار، وكونها مدخولة.
قلت: لكن عند الإنصاف، هذا الإشكال لا ينجيه لأن إخبارات الله - سبحانه - كثيرًا ما جاءت عن المستقبل بصيغة الماضي، وقد وقع مثله في القرآن كثيراً. والمعول عليه في الجواب عما تضمنته الكتب القديمة من قبل المسيح هو الوجه الأول، وهو القدح في صحتها، ودعواهم بتواترها ممنوعة، وإثباته عليهم شديد.
الوجة الثاني: أن هذا الخصم قدح في قوله: (ورفع أبويه على العرش)
وفي قصة زواج موسى على أن يؤجر نفسه ثماني حجج بأن ذلك لم يذكر في التوراة فنحن أيضا نقدح في دعواه صلب المسيح وقتله بعين ذلك، وهو أنه لم يذكر في التوراة، حيث جمع إسرائيل بنيه بمصر قبل موته، وأخبرهم بما يكون لكل منهم في مستقبله.
فإنه أفاض على"روبيل"وقال له:"نجست فراشي"- يعني كونه وطئ سرية أبيه -
وقال:"لا يفقد الملك من سبط يهوذا والنبوة والكهنوت من بين فخذيه. حتى يأتي من هو له، وإياه تنتظر الشعوب. الرابط في الشجرة جحشه."
وفي القضيب ابن أتانه مسودة من الخمر عيناه، وأشد بياضا من اللبن أسنانه"."
وهذه صفات المسيح بلا شك. ولم يذكر أنه يقتل ولا يصلب.
فإن قيل: ثبت قتله بزيادة مقبولة من الأنبياء كما ذكر عن أشعياء ودانيال والإنجيل؟