أولها: أن المقصود الأصلي ليس مضمون الجملة الاستفهامية بل هو مقدمة سيقت أمام المقصود لهزؤ المخاطبين وتوجيه أذهانهم نحو تلقى ما يُلقي إليهم عقيبها بجملة خبرية موافقه في الكيفية للسؤال الناشيء منها وهو المقصود إفادته، وعليه يدور فلك الإلزام والتبكيت، فإذا جعل الموصول بما في حيز صلته من تتمة الجملة الاستفهامية فأين الذي يلقي إليهم عقيبها جوابا عما نشأ من السؤال ليحصل به الإلزام والتبكيت؟ [1]
ثانيها: أن الجملة الآتية بمعزل من صلاحية الجواب، كيف لا؟ ولابد من موافقته في الكيفية للسؤال الناشئ عن الجملة الاستفهامية، وهذا السؤال الناشئ عنها يستدعي وقوع الشر من تتمة المخبر عنه، لا خبرا كما في الجملة المذكورة [2] ، يعني قوله: (أولئك شر مكانا) .
ومثل ما سبق ما في قوله - عز وعلا-: {وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ} [الأنعام: 142]
قال أبو السعود (الزوج) ما معه آخر من جنسه يزاوجه ويحصل منهما النسل، و (ثمانية أزواج) عنده بدل من (حمولة وفرشا) منصوبا بما نصبهما، ورد أن تكون (ثمانية) مفعولا ل (كلوا) على أن يكون قوله (ولا تتبعوا خطوات الشيطان ... ) اعتراضًا بينهما، وكذلك رد أن تكون حالا من (ما) بمعنى: مختلفة أو متعددة، فكلا الوجهين تأباه جزالة النظم الكريم لظهور أنه مسوق لتوضيح حال الأنعام بتفصيلها أولا إلى حمولة وفرش، ثم بتفصيلها إلى ثمانية أزواج حاصلة من تفصيل الأولى إلى الإبل والبقر، وتفصيل الثاني إلى الضأن والمعز، ثم تفصيل كل من الأقسام الأربعة إلى الذكر والأنثى. كل ذلك لتحرير المواد التي تقولوا فيها على الله سبحانه وتعالى [3] .
رد أبو السعود بعض الأوجه لما يترتب عليها من فصل أجزاء النظم وتفكيكها مما يحدث أثره على المعنى بفصم عراه الملتحمة فيؤدي إلى شيء من عدم الترابط، مثال ذلك ما جاء في قوله - عز وجل {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 190، 191] .
(1) السابق 2/ 504.
(2) السابق 2/ 504، 505.
(3) تفسير أبي السعود 3/ 132.