قال أبو السعود:"والعُرف إما نقيض النُّكر، وانتصابه على العلة، أي: أرسلنا للإحسان والمعروف؛ فإن إرسال ملائكة العذاب معروف للأنبياء - عليهم السلام - والمؤمنين. وإما بمعنى المتابعة من عرف الفرس، وانتصابه على الحالية" [1] .
فالوظيفة النحوية ل (عرفا) اختلفت تبعا لمعناها المعجمي من المفعول لأجله إلى الحال؛ فهي إما من العُرف الذى هو بمعنى المتعارف عليه غير المنكر، وإما من التتابع والتوالي في النزول، فطبيعي أن تختلف الدلالة بعامة تبعا لاختلاف المعنى المعجمي والوظيفة النحوية للكلمة.
توجد في اللغة بعض الكلمات التي تكون في تركيب اسما، وتكون في آخر حرفا، مما يترتب عليه تغير في توجيهها وتوجيه التركيب كله؛ حيث تشغل موقعا إعرابيًا إذا كانت اسما، ولا يكون لها محل من الإعراب حرفا.
من هذه الكلمات (ما) ، فقد تردد ورودها في تفسير أبي السعود كثيرا موجها إياها فيما ترد فيه من التراكيب القرآنية، مفصلا الأوجه المحتملة لها مع بيان ما قد يطرأ على التركيب والمعنى بتغيرها.
وقد وردت (ما) في توجيهات أبي السعود مصدرية توصل بالفعل بعدها وتؤوّل بمصدر له إعرابه، ونافية، وكافة (إن) عن العمل، وزائدة. وهي حرف على كل ما سبق لا محل له من الإعراب.
ووردت موصولة والجملة بعدها صلتها، وموصوفة وما بعدها صفتها، واستفهامية، وهي على كلٍّ اسم له وظيفته التي يشغلها في التركيب.
ومما تنبغي الإشارة إليه أن تغير نوع (ما) يتغير معه الأداء الصوتي للجملة فتختلف نغمة مؤديها إذا كانت (ما) استفهامية عنها نافية أو موصولة أو مصدرية.
ومما جاء من ذلك في تفسير أبي السعود قوله - عز وجل-: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} [الأنعام: 151] .
ذكر أبو السعود أن (ما) في الآية تحتمل ثلاثة أوجه [2] :
(1) أبى السعود 6/ 449.
(2) انظر: أبا السعود 3/ 139، وانظر: اللباب لابن عادل 8/ 504.