فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 519

ثانيًا: ترجيحه بعض الأوجه على غيرها:

كثيرًا ما كان أبو السعود يصرح بترجيح وجه نحوي من بين الأوجه المسوقة في إطار إعراب تركيب واحد، وقد كان - رحمه الله - يحتكم في ذلك إلى المعنى والسياق والمقام وغير هذا مما صرح بذكره في ترجيحاته، وسيأتي - إن شاء الله - الحديث عن طرف منه أثناء مناقشة ضوابط الترجيح عند أبي السعود في نهاية المبحث.

ومن الألفاظ التي عبر بها عن ترجيح وجه ما قوله (والأظهر كذا) أو (هذا هو الأولى) أو (والأول أنسب للمقام) أو (والأول هو الوجه) أو (والأول أدخل في الجزالة) أو (هذا هو الرأي السديد) . وفيما يلي طرف من شواهد ترجيحه.

قال الله - عز وجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ} [آل عمران: 100] .

قال - رحمه الله-: (كافرين) إما مفعول ثان ل (يردوكم) ، على تضمين الرد معنى التصيير، وإما حال من مفعوله، والأول أدخل في تنزيه المؤمنين عن نسبتهم إلى الكفر لما فيه من التصريح بكون الكفر المفروض بطريق القسر، وإيراد الظرف مع عدم الحاجة إليه ضرورة سبق الخطاب بعنوان المؤمنين واستحالة تحقق الرد إلى الكفر بدون سبق الإيمان مع توسيطه بين المفعولين - لإظهار كمال شناعة الكفر وغاية بعده من الوقوع [1] .

ومما رجح فيه أيضا ما جاء في قوله - عز وعلا-: {إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا} [النساء: 90] .

ذكر أبو السعود - رحمه الله - أن جملة (أو جاءوكم) تحتمل وجهين في عطفها [2] : فإما أن تكون معطوفة على الصلة، أي: أو الذين جاءوكم كافّين عن قتالكم وقتال قومهم. استُثنِي من المأمور بأخذهم وقتلهم فريقان: أحدهما: من ترك المحاربين ولحق بالمعاهدين، والآخر: من أتي المؤمنين وكف عن قتال الفريقين.

وإما أن تكون معطوفة على صفة (قوم) كأنه قيل: إلا الذين يصلون إلى قوم معاهدين أو إلى قوم كافّين عن القتال لكم والقتال عليكم.

(1) انظر: تفسير أبي السعود 2/ 101.

(2) انظر: السابق 2/ 342.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت