من شواهد التعدد بين الخبر والبدل ما أورده أبو السعود في تفسير قوله - عز وعلا: {سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (91) عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [المؤمنون: 91، 92] .
ذكر أبو السعود لكلمة (عالم) قراءتين [1] : إحداهما بالجر، والأخرى بالرفع [2] . وكلتاهما متواترتان.
وقد وجه أبو السعود قراءة الجر ل (عالم) على أنها بدل من اسم الجلالة في قوله (سبحان الله عما يصفون) [3] ، وهو ما ذهب إليه كثير من العلماء [4] ، إلا أن البعض ذهب إلى أنها مجرورة صفة لاسم الجلالة، [5] كأنه تمحضَّ للإضافة فتعرف المضاف. [6]
ف (عالم) اسم فاعل وإضافة اسم الفاعل العامل عمل فعله إضافة غير محضة لاتفيد تعريفًا؛ لأن التنوين مقدر فيه وإنما حذف للتخفيف وانجر الثاني لوجود لفظ الإضافة كقولك: زيد ضاربُ عمروٍ غدا. [7]
أما إذا كان اسم الفاعل بمعنى الماضي ولم يكن للحال أو الاستقبال كانت إضافته محضة تفيده تعريفًا [8] ، فكأنما جعلت إضافة (عالم) إضافة محضة ليكتسب تعريفًا يصلح به أن يكون صفة لاسم الجلالة.
ومعنى الآية أن الله -عز وعلا- مختص بعلم الغيب والشهادة، فغيره وإن علم الشهادة لكن لم يعلم الغيب؛ لأن الشهادة لا يتكامل بها النفع إلا مع العلم بالغيب. [9]
(1) انظر: تفسير أبي السعود 5/ 80.
(2) قرأ بالجر ابن كثير، وابن عامر، وأبو عمرو، وحفص، ويعقوب من العشرة. انظر: العنوان لإسماعيل بن خلف ص: 137، الكافي لابن شريح ص: 164، 165، الإقناع لابن الباذش ص: 433، التحبير لابن الجزري ص: 477، المغني لمحيسن 3/ 66.
(3) انظر: تفسير أبي السعود 5/ 80.
(4) انظر: البيان للأنباري 2/ 188، الدر للسمين 8/ 363، اللباب لابن عادل 14/ 250.
(5) انظر: إعراب القرآن للنحاس ص: 640، الكشاف للزمخشري 3/ 261.
(6) الدر للسمين 8/ 364.
(7) اللباب في علل البناء والإعراب للعكبري، تحقيق غازي مختار طليمات، دار الفكر بدمشق، ط/1، 1416 ه-1995 م، 1/ 390. وانظر: الهمع للسيوطي 2/ 414.
(8) انظر: شرح التصريح للأزهري 1/ 680، الهمع للسيوطي 2/ 414.
(9) اللباب لابن عادل 14/ 250، 251.