تقدّم الحديث عن التأصيل النحوي للحذف في الفصل السابق من البحث، لذا سأقصر الحديث هنا على الأثر الذى يحدثه الحذف من تغيير في دلالة الجملة، وجعلها في مستوى أرقى من مستويات البلاغة، فلا تجد التركيب متفاوتا في بلاغة دلالته - قبل الحذف وبعده- إلا بنزع كلمة منه تكون لها إشعاعات بليغة تزيد في رونق المعنى.
وقد أولى البلاغيون اهتماما ملحوظا بالحذف، وألمحوا إلى أثره في المعنى، فقال فيه عبد القاهر الجرجاني:"هو باب دقيق المسلك، لطيف المأخذ، عجيب الأمر، شبيه بالسحر، فإنك ترى به ترك الذكر أفصح من الذكر، والصمت عن الإفادة أزيد للإفادة، وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق، وأتم ما تكون بيانا إذا لم تُبِن" [1] .
"ومن شرط المحذوف في علم البلاغة أنه متى أُظهر صار الكلام إلى شيء غثٍّ، لا يناسب ما كان عليه أولا من الطلاوة والحسن" [2] .
أما الحذف في النحو، فقد عني به النحاة وتنبهوا لأهميته كذلك وإلى إثرائه للتراكيب اللغوية، حتى إن ابن جني تحدث عنه في باب أسماه: (باب في شجاعة العربية) [3] ، وقد بين النحاة أن الحذف شمل أبواب النحو جميعها، فما من باب إلا ودخله الحذف،"فقد حذفت العرب الجملة، والمفرد، والحرف، والحركة. وليس شيء من ذلك إلا عن دليل عليه، وإلا كان فيه ضرب من تكليف علم الغيب في معرفته" [4] .
فالأصل في المحذوفات جميعها على اختلاف ضروبها أن يكون في الكلام ما يدل على المحذوف، فإن لم يكن هنالك دليل على المحذوف، فإنه لغو من الحديث، لا يجوز بوجه ولا سبب [5] .
وبوصف أبي السعود أحد المفسرين المعنيين بشرح كلام الله - عز وجل- مهتما ببلاغة المعنى، منطلقا في تفسيره من أساس بلاغي قائم - في أول ما يقوم - على معطيات علم النحو، بوصف أبي السعود كذلك، فقد التفت إلى براعة أسلوب الحذف في إيصال المعنى القرآني، وأولاه عناية خاصة، فإذا كان في التركيب تعدد بالحذف وعدمه أوضح المعنى على الوجهين، وإذا كان الحذف وجها واحدا للتركيب شرح المعنى وأوضح الغرض البلاغي من الحذف فيه شرحا وافيا.
(1) دلائل الإعجاز لعبد القاهر الجرجاني ص: 146، وانظر: المثل السائر لابن الأثير 2/ 268.
(2) المثل السائر لابن الأثير 2/ 268.
(3) انظر: الخصائص لابن جني 2/ 360.
(4) السابق نفسه.
(5) المثل السائر لابن الأثير 2/ 268.