من شواهده ما جاء في تفسير قوله - عز وعلا-: {يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ} [البقرة: 102] .
ذكر أبو السعود ل (هاروت وماروت) قراءتين [1] : إحداهما بفتح التاء والثانية برفعها. [2]
قال أبو السعود:" (هاروتَ وماروتَ) عطف بيان للملكين علمان لهما، ومنع صرفهما للعجمة والعلمية، ولو كانا من الهرت والمرت بمعنى الكسر لانصرفا". [3]
ف (هاروت) عطف بيان ل (الملكين) مجرور وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة لمنعه من الصرف لعلتي العلمية والعجمة، و (ماروت) معطوف عليه، إلا أن كليهما عطف بيان ل (الملكين) في المعنى. [4] على أن البعض قد ذكر أنهما بدل من (الملكين) . [5]
فمن العلماء من ذهب إلى أن تعليم الملائكة الناس السحر قد وقع وأن الله قد ابتلى بهما الناس كما ابتلاهم بالنهر في قوله: {إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ} [البقرة: 249] ، ومنهم من قال إن (يعلِّمان) في قوله: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ} [البقرة: 102] من الإعلام لا من التعليم [6] ؛ لأن الملكين لا يعلمان الناس السحر وإنما يُعْلِمَانهم به، وينهيانهم عنه، ويؤيد ذلك قراءة من قرأ (يُعْلِمَان) " [7] ، ولا يكون على هذا التأويل تعلم السحر كفرًا؛ لأن التعليم تعليم إنذار لا تعليم دعاءٍ إليه [8] ."
ومن العلماء من ذهب إلى أبعد من هذا تنزيهًا للملائكة - عليهم السلام- فلم يجعلهما بدلًا من (الملكين) ، وإنما أبدلهما من (الشياطين) و تكون (ما) نافية في قوله: (وما أنزل على الملكين) ، ويكون في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: وما كفر سليمان وما أنزل على الملكين، ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر
(1) انظر: تفسير أبي السعود 1/ 254.
(2) جمهور القراء على فتح تاء (هاروت وماروت) وقرأ الحسن والزهري برفعهما. انظر: الكشاف للزمخشري 1/ 159، البحر لأبي حيان 1/ 498، اللباب لابن عادل 2/ 340.
(3) تفسير أبي السعود 1/ 254. وانظر: الكشاف للزمخشري 1/ 159، أنوار التنزيل للبيضاوي 1/ 100.
(4) انظر: إعراب القرآن لعثمان 1/ 247.
(5) انظر: التبيان للعكبري 1/ 83، اللباب لابن عادل 2/ 340، إعراب القرآن للقاضي ص: 29.
(6) انظر: معاني الزجاج 1/ 183.
(7) اللباب لابن عادل 2/ 341، 342.
(8) انظر: معاني الزجاج 1/ 184، الجامع للقرطبي 2/ 288.