المطلب الثاني
تعدد الموقع الإعرابي للمصدر المؤول
المصدر المؤول هو ما تركب من أحد الأحرف المصدرية مع مدخولها، والأحرف المصدرية مثل (أنْ) و (ما) و (كي) و (أَنّ) مع معمولَيها، فتؤوّل كل من الأحرف السابقة مع ما بعدها بمصدر صريح يعرب إعراب المفردات بحسب موقعه من الكلام [1] .
وردت في تفسير أبي السعود نماذج مما تعدد فيه توجيه المحل الإعرابي للمصدر المؤول ولا سيما المركب من (أنْ) الناصبة والفعل بعدها، و (أنّ) مع معموليها، حيث كثرت نماذج تعددهما في تفسيره، فاكتفيت بالاستشهاد عليهما دون غيرهما من صور المصدر المؤول الأخرى.
(1) المصدر المؤول من (أَنْ) الناصبة والفعل:
(أنْ) المصدرية لا تدخل إلا على الفعل المتصرف، وإذا كانت صلتها فعلا مضارعًا كان لها فيه - دون غيره [2] - تأثيران آخران: نصبه وتخصيصه بالاستقبال [3] .
ومن شواهد ذلك في تفسير أبي السعود - رحمه الله - ما جاء في قوله - عز وجل-: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} [البقرة: 26] .
ذكر أبو السعود في المحل الإعرابي ل (أن يضرب) وجهين: النصب والجر، قال:"ومحل (أن يضرب) على تقدير تعدية (يستحيى) بنفسه النصب على المفعولية، وأما على تقدير تعديته بالجار فعند الخليل الخفض بإضمار (مِنْ) ، وعند سيبوبه النصب بإفضاء الفعل إليه بعد حذفها" [4] .
فالمصدر المؤول (أن يضرب) تعدد توجيه محله تبعا لتعدية الفعل؛ فعلى تقدير تعديه بنفسه فهو في محل النصب مفعولا به ل (يستحيى) ، وعلى تقدير تعديه بحرف الجر فمحله إما الجر على مذهب الخليل [5] ، حيث يبقى عمل حرف الجر بعد حذفه فكأنه مثبت ملفوظ به [6] .
(1) انظر: شرح الرضي على الكافية 4/ 440، إعراب الجمل وأشباه الجمل لقباوة ص:118.
(2) قد تكون صلة (أنْ) المصدرية فعلا ماضيا كما في قوله: {أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ} [القلم: 14] ، أو فعل أمر كما في قولك: كتبت إليه: أن قم، وقد توصل بالنهي كما في: كتبت إليه ألا تفعل. انظر: شرح الرضي على الكافية 4/ 441، همع الهوامع للسيوطي 2/ 281.
(3) شرح الرضي على الكافية 4/ 441.
(4) تفسير أبي السعود 1/ 151. وانظر: البحر لأبي حيان 1/ 265، اللباب لابن عادل 1/ 462.
(5) انظر: البحر لأبي حيان 1/ 265.
(6) انظر: شرح المفصل لابن يعيش 8/ 52.