اختلف القراء في بعض الكلمات فقرأها بعضهم ببنية صرفية فعلية، وقرأها بعضهم الآخر ببنية صرفية اسمية، مما أثر ضرورة على التوجيه النحوي لمفردات التركيب.
من ذلك ما جاء في قوله - جل ذكره: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً} [النساء: 1] .
الفعلان (خلق) و (بث) قرئا في المشهورة على زنة (فَعَل) ، فهما فعلان ماضيان، وقد وردا في قراءة أخرى اسمين على زنة اسم الفاعل من الثلاثي (خالقٌ) و (باثٌّ) ، وبرفعهما كليهما [1] .
وقد اختلف توجيه التركيب معهما فعلين عنه اسمين؛ فإن (خلق وبث) معطوفان إما على مقدر ينبئ عنه سوق الكلام، وذلك المقدر استئناف أو في محل جر صفة ل (نفس) ، والتقدير: خلقها وخلق منها زوجها ... ، وإما على (خلقكم) داخل معه في حيز الصلة [2] [3] .
وأما (خالق) و (باث) ، فعلى أن (خالق) مرفوع خبرا لمبتدأ محذوف تقديره: وهو خالق وباث [4] . فقد اختلفت الجملة كلية من الفعلية إلى الاسمية، واختلف إعراب مفرداتها.
وفي قوله - عز وجل: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ} [الأنعام: 100] ، فإن (خلقهم) قرئ بفتح اللام فعلا ماضيا مبنيا على زنة (فَعَل) ، وقرئ بإسكان اللام مصدرا [5] .
وتوجيهه على القراءة الأولى بفتح اللام على أن الجملة الفعلية في محل النصب على الحالية بإضمار (قد) ، أو بدونه على اختلاف الرأيين، أي: وقد علموا أن الله خالقهم خاصة [6] .
(1) انظر: أبا السعود 2/ 220.
(2) انظر: السابق نفسه.
(3) ذكر أبو السعود لطيفة بلاغية في علة إعادة فعل الخلق، فقال الله (خلقكم) و (خلق) ، فعطف الفعلين مع جواز عطف مفعول الثاني على مفعول الأول كما في قوله {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 21] لإظهار ما بين الخلقين من التفاوت؛ فإن الأول بطريق التفريع من الأصل، والثاني بطريق الإنشاء من المادة.
(4) أبي السعود 2/ 220، البحر لأبي حيان 3/ 164.
(5) انظر: أبا السعود 3/ 95. وانظر: المحتسب لابن جني 1/ 224.
(6) السابق نفسه.