فشبه الجملة متعلق ب (نزل) ، وإنما أخّر عن متعلَّقه للنكات البلاغية السابقة التي ذكرها أبو السعود، فمدار المعنى على نزوله من عند الله بلسان عربي.
وأما إذا عُلِّق شبه الجملة (بلسان عربي) ب (المنذرين) وفقا لمذهب الجمهور [1] ، فإنه يؤدي إلى جعل غاية الإنزال كونه - صلى الله عليه وسلم - من جملة المنذرين باللسان العربي فقط من هود وصالح وشعيب وإسماعيل، وخامسهم محمد - صلى الله عليه وسلم - [2] .
فمدار المعنى أنه نزل الروح الأمين بالكتاب لتكون من الذين أنذروا باللسان العربي، فعلّل الإنزال بتخصيص كونه ممن أنذر باللسان العربي.
قال أبو السعود:"ولا يخفي فساده، كيف لا؟ والطامة الكبرى في باب الإنذار ما أنذره نوح وموسى - عليهما الصلاة والسلام-، وأشد الزواجر تأثيرا في قلوب المشركين ما أنذره إبراهيم - عليه السلام - لانتمائهم وادعائهم أنهم على ملته" [3] .
الاستثناء استفعال مأخوذ من الثَّنْي، ومنه تقول: ثنيت الشيء إذا عطفت بعضه على بعض، وثنيت فلانا عن رأيه، وثنيت عنان الفرس. وحقيقة الاستثناء كأسلوب نحوي استخراج بعضِ ما تناوله اللفظ [4] .
مفهوم الاستثناء في النحو:
الاستثناء في اصطلاح النحاة"هو المذكور بعد إلا، أو إحدى أخواتها، مخالفا لما قبلها نفيًا وإثباتًا" [5] .
فالاستثناء صرف للفظ عن عمومه بإخراج المستثنى من أن يتناوله حكم المستثنى منه [6] ، فقولك: جاءني في القوم إلا زيدًا، أُخرج فيه المستثنى (زيدا) من أن يتناوله حكم المستثنى منه (القوم) ، وهو المجيء، فلا يدخل
(1) انظر: السابق نفسه. وانظر: الكشاف للزمخشري 3/ 380.
(2) أبي السعود 5/ 222، 223. وانظر: الكشاف للزمخشري، 3/ 380.
(3) السابق 5/ 223.
(4) انظر: دراسات عضيمة القسم الأول 1/ 329.
(5) الكواكب الدرية للأهدل 2/ 37.
(6) انظر: شرح المفصل لابن يعيش 2/ 75، 76.