تغيب العلامة الإعرابية عن بعض مفردات اللغة كالأسماء المبنية بأقسامها؛ حيث يلزم آخرها صورة واحدة لا يزول عنها [1] ، وكالمعربات إعرابًا تقديريا لعلة تمنع ظهور العلامة على آخرها، كالاسم المقصور مثلا، حيث تقدر عليه العلامات للتعذر لانتهائه بألف لازمة [2] ، وكذلك غيره من المعربات تقديرًا [3] في حالات دون أخرى.
فغياب العلامة الإعرابية يفتح الباب واسعا أمام احتمالات شغل هذه الكلمة أو تلك وظائف نحوية تختلف باختلاف الحالات الإعرابية الثلاث رفعا ونصبا وجرا.
وعليه، فإن تحديد وظيفة الكلمة في الجملة لا يتم إلا بسبب تضافر مجموعة من القرائن المختلفة: لفظية ومعنوية، ولذلك يمكن إعراب الكلمة الخالية من العلامة، وإعرابها في هذه الحالة لا تقوم به العلامة ولا تدل عليه، وإنما الذي يدل عليه فهم قرنية السياق التي تصب فيها كل القرائن الأخرى [4] .
ومما كان غياب العلامة الإعرابية سببا في تعدد توجيهه عند أبي السعود قوله - عز وجل-: {قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [البقرة: 32] .
(أنت) ضمير مبني، وقد ذكر أبو السعود في توجيهه عدة إعرابات: فهو إما ضمير الفصل لا محل له من الإعراب، وإما له محل من الإعراب مشارك لما قبله - كما نقله عن الفراء - أو لما بعده - كما نقله عن الكسائي - فيتردد محله بين النصب والرفع. أو أنه تأكيد للكاف في (إنك) ، كما في قولك: مررت بك أنت، أو مبتدأ خبره ما بعده، والجملة من المبتدأ والخبر خبر (إن) [5] .
وفي قوله - جل ذكره-: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ} [البقرة: 62] .
(1) انظر: الهمع للسيوطي 1/ 58.
(2) انظر: شرح المفصل لابن يعيش 6/ 36.
(3) انظر: العلامة الإعرابية لدكتور محمد حماسة ص: 298، تعدد التوجيه النحوي لدكتور محمد صبرة ص: 245.
(4) انظر: تعدد التوجيه النحوي لمحمد صبره ص: 245، العلامة الإعرابية لمحمد حماسة ص: 298.
(5) انظر: تفسير أبي السعود 1/ 174. وانظر: التبيان للعكبري 1/ 45.