كان حذيفة بن اليمان كاتم سر النبي - صلى الله عليه وسلم - يسأله عن الشر، في حين كان الناس يسألونه عن الخير، قال حذيفة: يا رسول الله، بعد هذا الخير شر؟ قال النبي - صلى الله عليه وسلم: يا حذيفة، تعلَّم كتاب الله واتبع ما فيه - ثلاث مرات، فقال: يا رسول الله، بعد هذا الخير شر؟ فقال: يا حذيفة، تعلم كتاب الله واتبع ما فيه إلى آخر الحديث [1] .
فلم ينفك النبي - صلى الله عليه وسلم - ينادي حذيفة منبها آمرا: يا حذيفة، تعلم كتاب الله واتبع ما فيه، وقد تكرر ذلك الأمر خلال الحديث أربع مرات، كرره في كل مرة ثلاثا، وكان سؤال حذيفة في الحديث عن الشر والفتن الواقعة في آخر الزمان، تُرى كم مرة كان النبي - صلى الله عليه وسلم - سيكرر أمره إن كنا نحن المخاطبين؟
ولهذا، فإن أهمية دراسة الموضوع تتمثل في عدة جهات:
الجهة الأولى: تعلم كتاب الله - عز وجل - حتى نتبع ما فيه ونحن على بصيرة بأوامر الله ونواهيه، وتزداد تلك البصيرة بكتاب الله - تعالى - بتعلم إعرابه وتراكيبه النحوية التي تبني عليها المعاني والأحكام. وقد عقدت عزمي على إكمال دراساتي العليا في رحاب درس كتاب الله - عز وجل - بعد حضور بعض حلقات العلوم الشرعية في أروقة الأزهر الشريف، والتي كان من بينها تناول تفسير أبي السعود بالقراءة والتعليق، واطلعت على كثرة المسائل النحوية، والصرفية، والبلاغية المعالجة فيه.
الجهة الثانية: كون موضوع الدرس في تفسير أبي السعود، فإن تفسير أبي السعود من التفاسير المهمة التي عُنيت ببيان شأن البلاغة في تراكيب القرآن، هذا مع عدم تناوله بالدراسة والبحث، اللهم إلا دراسة واحدة قديمة ستجري الإشارة إليها عما قليل.
الجهة الثالثة: تأثر أبي السعود بالزمخشري أولا، فالبيضاوي ثانيا، ومعلوم من هما في ميدان المفسرين، فضلا عن أهمية تفسير الكشاف في حقل بلاغة القرآن، وما أثاره تفسيره من الدراسات، فكان لزاما أن يدرس تفسير أبي السعود من الجهات المختلفة لسبر مدى تأثره بالكشاف، ومدى استقلاله عنه، وتعدد التوجيه النحوي جهة واحدة من تلك الجهات.
(1) (*) أخرجه أبو داود في السنن، كتاب الفتن والملاحم، برقم (4246) .