فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 519

هذا، وإن تفسير أبي السعود - رحمه الله - ثجاج بأمثال تلك النماذج التي يتضافر فيها علما النحو والمعاني استجلاء لمعاني كلام الله - عز وجل - وقد سبق التمثيل لطرف منها عند الحديث عن بلاغيات الذكر والحذف، والإيجاز والإطناب، وغيرها من البلاغيات التي لا يمنع من الاستزادة من شواهدها إلا خشية الإطالة والإملال، فعلى المستزيد مطالعة التفسير وستفجؤه كثرتها.

ثالثًا: تفسير أبي السعود أحد تجليات نظرية النظم لعبد القاهر الجرجاني:

أسس عبد القاهر الجرجاني نظرية النظم في كتابة (دلائل الإعجاز) للتدليل على كون القرآن الكريم معجزا بنظمه،"فليس النظم شيئا غير توخي معاني النحو وأحكامه فيما بين معاني الكلم، فإذا ثبت هذا ثبت أن طالب دليل الإعجاز من نظم القرآن إذا هو لم يطلبه في معاني النحو وأحكامه وأنه لا مستنبط له سواها، وألا وجه لطلبه فيما عداها غارّ نفسه بالكاذب من الطمع، ومسلم لها إلى الخدع، ولزمه أن يثبت شيئًا آخر يكون معجزًا به" [1] .

فتلك النظرية في نظرها للنص تقوم على تفاعل الكلمات داخله وتضامها على نحو مخصوص من خلال شغل كل كلمة وظيفة نحوية معينة داخل التركيب، فهناك شيئان يكسبان الجملة معناها: أولهما: التعليق النحوي ودوره مهم في عقد التركيب ككل، والآخر: مدى موافقة الجملة للحقيقة الوضعية أو الابتعاد عنها [2] .

فاللفظ داخل التركيب يتفاعل مع المعنى النحوي من فاعلية أو مفعولية أو حالية ... إلخ، بحيث يكتسب هذا اللفظ بعينه إذا كان فاعلا مثلا معنى جديدا لا يكتسبه لفظ آخر في الوظيفة نفسها، وبحيث يختلف هذا المعنى نفسه باختلاف الفعل الذي يكون فاعلا له، وباختلاف السياق النصي الذي يكون فيه [3] .

راعى أبو السعود - رحمه الله - هذا الفهم لفاعلية المعنى النحوي، وتلك العلاقة الدقيقة بين اللفظ ووظيفته النحوية داخل التركيب والتي يسمح بها النظام النحوي للجملة، ويتحدد المعنى ويختلف بناءً عليها، راعى أبو السعود ذلك في تناوله الآيات بالتفسير، يظهر ذلك من تردد كلمة (النظم) و (النظام) في تفسيره

(1) دلائل الإعجاز لعبد القاهر الجرجاني، قراءة وتعليق الشيخ محمود شاكر، مطبعة المدني، ط/3، 1413 ه-1992 م، ص: 526.

(2) انظر: النحو والدلالة للدكتور محمد حماسة عبداللطيف، دار الشروق، ط/1، 1420 ه، ص: 12.

(3) انظر: السابق ص: 15.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت