فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 519

وقدم الجار والمجرور على المفعول الصريح إيذانا من أول الأمر برجوع ضرر البسط وغائلته إليه، ولم يُجعل جواب القسم الساد مسد جواب الشرط جملة فعلية موافقة لما في الشرط، بل اسمية مصدرة ب (ما) الحجازية المفيدة لتأكيد النفي بما في خبرها من الباء للمبالغة في إظهار براءته عن بسط اليد ببيان استمراره على نفي البسط؛ فإن الجملة الاسمية الإيجابية كما تدل بمعونة المقام على دوام الثبوت، كذلك السلبية تدل بمعونته على دوام الانتقاء لا على انتقاء الدوام، أي: والله لئن باشرت قتلي حسبما أوعدتنى به وتحقق ذلك منك ما أنا بفاعل مثله لك في وقت من الأوقات [1] .

ومن شواهد ربطه بين علمي النحو والمعاني لاستنطاق بلاغيات التركيب القرآني ما جاء في تفسير قوله - تعالى-: {يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ} [الأعراف: 115] . قال - رحمه الله - مفسرا الآية:"يا موسي إما أن تلقي ما تلقي أولا، وإما أن نكون نحن الملقين أي: ما نلقي أولا، أو الفاعلين للإلقاء أولا، خيروه - عليه السلام - بين البدء بالإلقاء مراعاة للأدب، وإظهارا للجلادة، وأنه لا يختلف حالهم بالتقديم والتأخير، ولكن كانت رغبتهم في التقديم كما ينبئ عنه تغييرهم للنظم بتعريف الخبر، وتوسيط ضمير الفصل وتأكيد الضمير المتصل" [2] .

ومن إشاراته إلى بلاغيات التعبير بالجملة الاسمية والفعلية ما جاء في قوله - عز اسمه-: {فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ} [الأعراف: 107] . قال - رحمه الله-:"أي ظاهر أمره لا يشك في كونه ثعبانا وهو الحية العظيمة، وإيثار الجملة الاسمية للدلالة على كمال سرعة الانقلاب وثبات وصف الثعبانية فيها كأنها في الأصل كذلك" [3] .

وإذا وضع بإزائه قوله - تعالى-: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ} [الأعراف: 117] . فالفاء في (فإذا) فصيحة، أي: فألقاها فصارت حية فإذا هي تلقف ... الآية، وإنما حذف للإشعار بمسارعة موسى - عليه السلام - إلى الإلقاء، وصيغة المضارع لاستحضار صورة اللقف الهائلة. [4]

فما بعد الضمير في الآية الأولى اسم (ثعبان) لإثبات وصف الثعبانية، كأنها لم تكن يوما عصا، وفي الثانية فعل (تلقف) وهو مضارع استكمالا لأبعاد الصورة بإضافة سرعة اللقف إلى هول الحجم، وإحضارا للصورة في واقع المشاهدة [5] .

(1) تفسير أبي السعود 2/ 459 بتصرف.

(2) السابق 3/ 226.

(3) تفسير أبي السعود 3/ 224.

(4) انظر: السابق 3/ 226.

(5) انظر: على سبيل المثال فصل: (في الخطاب بالجملة الاسمية والفعلية وذكر التفرقة بينهما) من كتاب الطراز للعلوي 2/ 15 - 19 لمعرفة معاني كل منهما ومواطن استعماله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت