فهرس الكتاب

الصفحة 439 من 519

إن أيّ تغيير طارئ على المعطيات النحوية والصرفية لتركيب ما - ولا سيما التركيب القرآني - يقابله تغيير على أصعدة مختلفة، منها: الصوتي [1] ، والدلالي، والبلاغي والفقهي، والعقدي [2] .

وهذه الآثار - على وجه الإجمال - تستظل بمظلة الأثر الدلالي، وتدخل تحته بجهة ما، فهي تؤدي في النهاية إلى تغيير في الدلالة الكلية للتركيب.

فإن التغير الصرفي والنحوي في تركيب ما يؤثران على الدلالة: الصرفي إذا روعيت معاني الأبنية والصيغ، وانعكاساتها على الدلالة الكلية [3] ، والنحوي غني عن إثبات وثوق رابطته بالدلالة، ويتبعه وينبني عليه البلاغي؛ فإن البلاغة قائمة في مقامها الأول على معطيات علم النحو، فتغير المعطيات النحوية للتركيب يلزمه - في الغالب - تغير في المستوى البلاغي المصاحب له، مما يؤثر على المعنى،"فمهما اختلف المختلفون في شأن البلاغة، فالذي لا يدخله الاختلاف هو أن تراكيب الكلام على أصول النحو والصرف هو الذي يحدث في كلام ما ميزة يفوق بها كلاما آخر" [4] .

وقد لزم أبو السعود غرز عبد القاهر الجرجاني في فهمه لفاعلية المعنى النحوي في تحديد الدلالة، فقد كان منهجه في التوجيه يقوم على الاختيار الدقيق بين اللفظ المفرد ووظيفته النحوية التي يحددها له النظام

(1) مثل قوله: {لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ} [الجاثية: 11] ، فإن اختلاف وجه التبعية ل (أليم) مرة ل (عذاب) بالرفع، وأخرى ل (رجز) بالجر ينتج عنه أثر صوتي يظهر عند الوقف، فهي على قراءة الجر يوقف عليها بالروم فقط، وعلى قراءة الرفع يوقف عليها بالروم والإشمام، وهما أثران صوتيان لا يظهران إلا عند الأداء التلاوي.

(2) ومنه ما جاء في قوله - تعالى: {أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} [التوبة: 3] ، فعلى قراءة جر (رسوله) يحظر توجيه العطف على (المشركين) لما يؤدي إليه من وقوع معنى البراءة منه - صلى الله عليه وسلم -. وكذلك قوله: {إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ} [النساء: 171] ، فإن (من) في (وروح منه) لابتداء الغاية، وليست تبعيضية كما زعمت النصارى. انظر: أبا السعود 2/ 412.

(3) قد أشرت لطرف من هذا في المبحث الأول من الفصل الخاص بمناقشة منهج أبي السعود.

(4) تقدمة الشيخ شاكر لدراسات في أسلوب القرآن لعضيمة، القسم الأول 1/و.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت