لم يكن أبو السعود يرجح رأى أيٍّ من المدرستين: البصرية والكوفية في المواطن التي اختلفت فيها تخريجاتهما النحوية، وإنما كان ينص على الخلاف في موطن الشاهد من الآية موضحا رأي كل مدرسة فيه من دون تفصيل.
وكان - رحمه الله - يبدأ بذكر الرأي البصري أولا ثم يردفه برأي الكوفيين غير مرجح أيًّا منهما إلا فيما ندر، وفيما يلي إيراد بعض الشواهد من تفسيره تصديقا للمقال.
في قول الله - عز وجل: {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [البقرة: 132] .
ذكر - رحمه الله - أن جملة (يا بني) وما بعدها منصوبه بقول مضمر على رأي البصريين، أي: فقال: يا بني إن الله اصطفى ... إلخ، ومتعلقة ب (وصَّي) عند الكوفيين لأنه في معنى القول [1] .
وذلك كقول الراجز:
رَجْلان من ضبة أخبرانا إنَّا رأينا رجلا عريانا
بكسر همزة (إن) على إضمار القول، أو على إجراء الإخبار مجرى القول [2] .
وقرئ (أن يا بني) [3] ب (أَنْ) المفسرة، قال الفراء:"ألغيت (أَنْ) لأن التوصية في معنى القول، وكل كلام رجع إلى القول جاز فيه دخول (أن) وجاز إلغاؤها" [4] .
فلم يزد أبو السعود على أن ذكر الرأيين فقط دون أن يصرح بترجيح أحدهما.
وفي قوله - تعالى-: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 143] .
(1) انظر: تفسير أبي السعود 1/ 296.
(2) تفسير أبي السعود 1/ 296، وانظر: المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات، والإفصاح عنها لأبي الفتح عثمان بن جني، تحقيق على النجدي ناصف وعبد الحليم النجار وعبد الفتاح إسماعيل شلبي، المجلس الأعلي للشؤون الإسلامية، د/ط، 1415 ه-1994 م، 1/ 109، والبحر المحيط لأبي حيان 1/ 571.
(3) تفسير أبي السعود 1/ 296.
(4) انظر: معاني القرآن للفراء 1/ 80، اللباب في علوم الكتاب لابن عادل الدمشقي، تحقيق عادل أحمد عبد الموجود وعلى محمد معوض وآخرين، دار الكتب العلمية- بيروت، ط/1، 1419 ه-1998 م، 2/ 503.