في العامل السابق كان الحديث عن مفردات يتعدد توجيهها داخل التركيب بما يؤثر على المعنى سلبا وإيجابا؛ فقد يفسد المعنى على أحد وجوه الإعراب الجائزة تركيبا، فيُحظر من حيث الدلالة وإن جاز من حيث القاعدة.
أما هذا العامل فالحديث فيه عن جمل تامة تشتمل على ركني الإسناد اللازمين لبناء الجمل: اسمية وفعلية [1] .
فلما حلت الجملة محل المفرد أعربت بإعرابه، وأخذت علامته محلا، بل إنها صارت أكثر حرية من المفرد في احتمالات التوجيه لإطلاقها من قيد ظهور علامة الإعراب، وكان لكل محل إعرابي تحله الجملة أثره على المعنى، مما حدا بأبي السعود إلى المفاضلة بين الأوجه والتنبيه على معانيها، وعلى ما قد يفسد المعنى منها.
ومما تجدر الإشارة إليه أنني سأدخل ضمن إطار البحث هنا الجمل التي لا محل لها من الإعراب كجملة الاستئناف مثلا؛ فقد يتعدد توجيه موقع الجملة بين أن يكون لها محل على أية وظيفة نحوية، وبين ألا يكون لها محل كأن تكون استئنافا، وقد ذهبت الباحثة ذلك المذهب لأن الاهتمام منصبٌّ على جانب الدلالة وتغير المعنى، فلا يضر الترخص في التقسيم لتتم الفائدة.
فمن الجمل التي تعدد موقعها واختلف المعنى تبعا لكل موقع جملة (كلما جاءهم رسول) من قوله - عز وجل-: {لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ} [المائدة: 70] .
جملة (كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم) جملة شرطية جوابها محذوف تقديره: (عَصَوْه وعَادَوْه) [2] ، وموقع هذه الشرطية يحتمل وجهين:
الوجه الأول: أن تكون استئنافية لا محل لها من الإعراب، وقعت جوابا عن سؤالٍ نشأ من الإخبار بأخذ الميثاق وإرسال الرسل، كأنه قيل: فما فعلوا بالرسل؛ فقيل: كلما جاءهم رسول من أولئك الرسل بما لا تحبه أنفسهم المنهمكة في الغي والفساد عصوه وعادوه [3] .
(1) يرجع للمبحث الثاني من الفصل الثاني في البحث، وهو الخاص ب (تعدد التوجيه النحوي بالنظر إلى الموقع الإعرابي) فقد فصلت القول فيه عن الجملة وإعرابها، فليرجع إليه ص: 301.
(2) أبي السعود 2/ 516. وقد دلّ على جملة الجواب المحذوفة قوله: (فريقا كذبوا وفريقا يقتلون) ، فقد ناب عن الجواب. انظر: الكشاف للزمخشري 2/ 49.
(3) أبي السعود 2/ 516.