فهرس الكتاب

الصفحة 151 من 519

ف (أن قالوا) في تأويل مصدر، وهو أعرف من (الفتنة) ؛ لأنه يشبه المضمر، والمضمر أعرف المعارف، والقاعدة تقضي بأنه إذا اجتمع اسمان أحدهما أعرف، فالأحسن جعله اسمًا محدَّثًا عنه، والآخر خبرًا حديثًا عنه. أما هذه القراءة فقد جعل غير الأعرف اسمًا ل (كان) ، والأعرف خبرًا، خلافًا للقاعدة [1] .

ولهذا السبب ذهب بعض من المفسرين إلى تفضيل القراءة بنصب (فتنتهم) لأنها أوفق للقاعدة [2] .

وعليه، فإن (فتنتهم) على قراءة النصب خبر ل (كان) ، و (إلا أن قالوا) اسمها [3] . واعتذر عن تأنيث الفعل على هذه القراءة بأن (أن قالوا) هو الفتنة، فخبر (كان) هو اسمها في المعنى [4] ، أو بأنه في تأويل (مقالتهم) ، فالتقدير: لم تكن فتنتهم إلا مقالتهم [5] .

فجُعل الأعرف اسمًا ل (كان) وغير الأعرف خبًرا؛ ولهذا قوّاها البعض لموافقتها القاعدة. وقد تكرر مثل ذلك في مواطن عدة من كتاب الله - عز وجل - منها قوله {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 147] ، وقوله: {وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} [الأعراف: 82] ، وقوله: {مَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً} [الأنفال: 35] ، وقوله: {مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [الجاثية: 25] , وكان لأبي السعود فيها جميعًا رأي خالف فيه رأي جمهور النحاة، والمفسرين، جرى بسطه في موضعه من البحث.

من شواهد هذا التعدد ما جاء في قوله - تعالى-: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} [البقرة: 124] .

ذكر أبو السعود ل (إبراهيم ربه) قراءتين [6] : الأولى بنصب (إبراهيم) ورفع (ربه) ، والثانية على العكس برفع (إبراهيم) ، ونصب (ربَّه) [7] .

(1) البحر المحيط لأبي حيان 4/ 99، الدر المصون للسمين 4/ 572.

(2) قال القرطبي بعد توجيهه قراءة النصب مع تأنيث الفعل:"وذلك عند أهل العربية شاذ غير صحيح في الكلام". جامع البيان للطبري 9/ 189.

(3) تفسير أبي السعود 3/ 28.

(4) انظر: معاني القرآن للزجاج 2/ 235، الكشف لمكي 1/ 426.

(5) التبيان للعكبري 1/ 342، البحر المحيط لأبي حيان 4/ 99، الدر المصون للسمين 4/ 573.

(6) انظر: تفسير أبي السعود 1/ 280، 281.

(7) جمهور القراء على نصب (إبراهيم) ورفع (ربه) ، وقد قرأ بالعكس رفعًا ل (إبراهيم) ونصبًا ل (ربه) ابن عباس وأبو الشعثاء، وأبو حنيفة. انظر: مختصر في الشواذ لابن خالويه ص: 16، البحر المحيط لأبي حيان 1/ 545، الدر المصون للسمين 2/ 98، اللباب لابن عادل 2/ 446.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت