وقد جعل أبو السعود - كغيره من العلماء- القراءة الأولى بنصب (إبراهيم) على أنه مفعول به مقدّم، و (ربه) فاعل مؤخر أسند إليه الابتلاء [1] . وجملة (ابتلى إبراهيم ربه) في محل جر بالإضافة ل (إذ) [2] .
ف (إبراهيم) مفعول به واجب التقديم عند جمهور النحاة؛ لأن الفاعل (ربه) قد اتصل بضمير يعود على المفعول فوجب تقديمه؛ لئلا يعود الضمير على متأخر لفظًا ورتبة، وما جاء على خلاف هذا عدوه ضرورة [3] . وقد أضاف ابن عطية في تفسيره سببًا آخر لتقديم المفعول هو الاهتمام بمن وقع الابتلاء به، إذ معلوم أن الله هو المبتلي، فينضاف للسبب الصناعي سبب آخر معنوي [4] .
أما القراءة برفع (إبراهيم) ونصب (ربه) فعلى عكس الوظيفتين بينهما، ف (إبراهيم) فاعل، و (ربه) مفعول به [5] . والابتلاء هنا أولوه بالدعاء، فسمي دعاء إبراهيم ابتلاء مجازًا؛ لأن في الدعاء طلب استكشاف لما تجري به المقادير [6] .
فعلى القراءة الأولى المبتلى والمختبر هو الله - عز وجل -؛ حيث كلف إبراهيم - عليه السلام - أوامر ونواهي (فأتمهن) ، فالتمام من إبراهيم - عليه السلام - حيث قام بهن وأداهن حق الأداء. أما الثانية فالمبتلي هو إبراهيم عليه السلام على تأويل الابتلاء بالدعاء. فالمعنى: أن إبراهيم دعا ربه بدعوات دعاء المختبر هل يجيبه إليهن أو لا، (فأتمهن) فالتمام من الله - تعالى-؛ أي أعطاه ما سأله من غير نقص [7] .
ومن شواهد التعدد بين الفاعل والمفعول أيضًا ما ورد في الآية ذاتها في كلمتي (عهدي الظالمين) [8] ، حيث وردت قراءة أخرى بالرفع (لا ينال عهدي الظالمون) [9] ، فقراءة النصب على أن (عهدي) فاعل،
(1) تفسير أبي السعود 1/ 280، وانظر: إعراب القرآن لعثمان 1/ 295.
(2) انظر: الدر المصون للسمين 2/ 96، إعراب القرآن للدرويش 1/ 167.
(3) اللباب لابن عادل 2/ 442، شرح التصريح للأزهري 1/ 415، في الجملة الفعلية لعبد السلام حامد، دار الهاني للطباعة والنشر، د/ط، 2001 م، ص: 29.
(4) انظر: المحرر الوجيز لابن عطية 1/ 205، الدر المصون للسمين 2/ 97.
(5) تفسير أبي السعود 1/ 281.
(6) الدر المصون للسمين 2/ 98، اللباب لابن عادل 2/ 446.
(7) انظر: السابق 1/ 281.
(8) انظر: السابق 1/ 283.
(9) وهي قراءة ابن مسعود - رضي الله عنه -. انظر: مختصر في الشواذ لابن خالويه ص: 16. ونسبها أبو حيان لأبي رجاء وقتادة والأعمش. البحر المحيط لابي حيان 1/ 548.