وقد عقب أبو السعود على قراءة الرفع بقوله:"وهذا كما ترى أقعد بحسب المعنى وأوفق لمقتضى المقام؛ لما أن الإخبار بكون قولهم المطلق خصوصية قولهم المحكي عنهم مفصلا أكثر إفادة للسامع من الإخبار بكون خصوصية قولهم المذكور قولهم" [1] .
ثم قال في ختام احتجاجه لرأيه:"وإنما اختار الجمهور ما اختاره لقاعدة صناعية هي أنه إذا اجتمع معرفتان فالأعرف منهما أحق بالاسمية، ولا ريب في أعرفية (أن قالوا) لدلالته على جهة النسبة وزمان الحدث، ولأنه يشبه المضمر من حيث إنه لا يوصف ولا يوصف به، و (قولهم) مضاف إلى مضمر فهو بمنزلة العلم فتأمل" [2] .
وتكرر مثل ذلك في مواطن أُخر منها ما جاء في قوله - عز وعلا: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} [النور: 51] .
حيث قرئ (قول) في المشهورة بالنصب خبرا ل (كان) ، وفي غيرها بالرفع اسما لها والخبر (أن يقولوا) [3] .
وذكر - رحمه الله - أن قراءة النصب أقوى صناعة؛"لأن الأولى بالاسمية ما هو أوغل في التعريف وذلك هو الفعل المصدر ب (أن) ؛ إذ لا سبيل إليه للتنكير بخلاف (قول المؤمنين) فإنه يحتمله كما إذا اعتزلت الإضافة، لكن قراءة الرفع أقعد بحسب المعنى وأوفى لمقتضى المقام لما أن مصب الفائدة وموضع البيان في الجمل هو الخبر فالأحق بالخبرية ما هو أكثر إفادة وأظهر دلالة على الحدوث، وأوفر اشتمالا على نسب خاصة بعيدة من الوقوع في الخارج وفي ذهن السامع" [4] .
راعى أبو السعود في اختياراته بين الأوجه النحوية الجائزة تركيبا حمل النظم الكريم على أجزل المعاني، فرأيته كثيرا يعتل لرد بعض الأوجه الجائزة من حيث التركيب بعدم مناسبتها لجزالة النظم، أو أنها تخلي النظم عن المزايا، أو أنها تذهب برونق النظم، أو أنها أبعد من توفية النظم الكريم حقه من حيث الجزالة [5] .
(1) السابق 2/ 155.
(2) السابق نفسه.
(3) السابق 5/ 131.
(4) السابق نفسه.
(5) الجزل: الحطب اليابس الغليظ، ورجل جزل الرأي وامرأة جزلة الرأي بينة الجزالة: جيدة الرأي. والجزل من الألفاظ ما يكون متينا على عذوبته في الفم، ولذاذته في السمع، وأجزل المعاني أجودها وأوفاها بالمقام. انظر: المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر لضياء الدين بن الأثير، قدمه وعلق عليه أحمد الحوفي وبدوي طبانة، دار نهضة مصر، ط/2، د/ت، 1/ 185، وانظر: المعجم المفصل في علوم البلاغة إعداد إنعام فوال عكاوي مراجعة أحمد شمس الدين، دار الكتب العلمية، ط/2، 1417 ه-1996 م، ص:459.