فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 519

ومثل ذلك ما جاء في قوله - عز وعلا-: {نَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} [الأعراف: 40] . قال - رحمه الله - في (الجمل) :"وقرئ (الجُمَّل) كالقُمَّل، و (الجُمَل) كالنُّغَر، و (الجُمْل) كالقُفْل، و (الجَمَل) كالنَّصَب، و (الجَمْل) كالحبل، وهو الحبل الغليط من القنب، وقيل: حبل السفينة" [1] ، فكلها أوزان مختلفة لذات الكلمة بالمعنى ذاته.

وعليه، فإن الظاهر لي من منهج أبي السعود في أخذه بالقراءات أنه لم يكن يهتم بها من حيث هي شاذة أو متواترة، صحيحة أو غير صحيحة، وإنما كان درسه إياها درسًا لغويا يظهر منه أنه قد استقر في وعيه التفريق بين حجية القراءات شرعيا ولغويا؛ فالقراءات الشاذة شرعا لا تجوز القراءة بها ولا يُتَعبد بتلاوتها [2] ، أما من جهة الدرس اللغوي فالأمر مختلف، حيث ترتهن الحجية اللغوية للقراءات بما تتضمنه من ظواهر لغوية متسقة مع قواعد اللغة [3] ، وكلها بلا شك واقع في إطار الفترة المحدودة المعروفة بعصور الاحتجاج فلا شبهة في حجيتها من حيث هي نص لغوي.

ثانيًا: عزوه القراءات لقارئيها:

لم يكن أبو السعود يهتم بعزو القراءات لأصحابها من القراء والرواة حتى في المواطن التي توسع فيها من إيراد القراءات، فقد كان إغفال نسبة القراءة وعزوها دأبا له في التفسير، وكان همه الأكبر تحليل القراءة بعرض ما فيها من ظواهر صوتية أو صرفية أو نحوية.

إلا أن أبا السعود في مواطن قليلة عزا القراءة لقارئها، وعليه، فإنني لن أحيل على شواهد مما لم يعز فيه القراءة؛ لأنه لا يكاد يخلو موضع من التفسير من ذلك، وإنما سأورد بعضا من الشواهد التي عزا القراءة فيها لأصحابها.

قال - عز وجل: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 4] . ذكر أبو السعود عدة قراءات في (مالك) لم يعز منها إلا واحدة حيث قال:"وقرأ أهل الحرمين [4] المحترمين (مَلِكِ) من المُلك الذي هو عبارة عن السلطان القاهر"

(1) تفسير أبي السعود 3/ 181.

(2) انظر: المدخل لدراسة القرآن الكريم لمحمد أبي شهبة، مكتبة السنة، ط/2، 1423 ه - 2003، ص: 442.

(3) انظر: القرآن والنحو للأستاذ الدكتور على أبو المكارم، وهو بحث غير منشور ألقاه على طلاب السنة التمهيدية للماجستير لعام 2005 م، ص: 64، 65.

(4) وهي قراءة متواترة قرأ بها نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحمزة وأبو جعفر، فهي قراءة أكثر العشرة. انظر: الإتحاف للبنا 1/ 363، البدور الزاهرة للقاضي 1/ 29.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت