ومنه أيضا ما جاء في قوله - تبارك وتعالى-: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ (3) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ} [الحج: 3، 4] .
ذكر أبو السعود أن محل (أنّ) وما في حيزها الرفع خبرا لمبتدأ محذوف والتقدير: من تولاه فشأنه أنه يضله عن طريق الجنة، أو مبتدأ خبره محذوف والتقدير: فحق أنه يضله، والجملة على كلا التقديرين جواب الشرط إن جعلت (منْ) شرطية، وخبر لها إن جعلت موصولة [1] .
واستبعد ما قيل من القول بعطف (فأنه يضله) على (أنه من تولاه) فقال:"وفيه من التعسف ما لا يخفى. وقيل وقيل مما لا يخلو عن التمحل والتأويل" [2] .
ومنه أيضا ما جاء في قوله - عز وعلا-: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (7) لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا} [الأحزاب: 7، 8] .
قال أبو السعود: إن جملة (وأعد) معطوفة على مضمر مستأنف سيق لبيان ما هو داع إلى أخذ الميثاق وغاية له أي: فَعَل الله ذلك ليسأل ... وأعد إلخ [3] .
وجوز أن تعطف على ما دل عليه قوله (ليسأل الصادقين) كأنه قيل: فأثاب المؤمنين وأعد للكافرين الآية [4] .
ورد - رحمه الله - أن يكون (وأعد) معطوفا على (وأخذنا) ، والمعنى: أن بعثة الرسل وأخذ الميثاق منهم لإثابة المؤمنين، أو أن المعنى أن الله - تعالى - أكد على الأنبياء الدعوة إلى دينه لأجل إثابة المؤمنين، وهذا تعسف ظاهر - كما قال أبو السعود - فضلا عن إفضائه إلى كون بيان إعداد العذاب الأليم للكافرين غير مقصود بالذات [5] .
اهتم أبو السعود في توجيهه بالسياق فردّ ورجح واضعا في اعتباره مجرى الكلام وتسلسله وترابط الآي ببعضها البعض، فترددت في تفسيره جمل مثل: (هذا مما لا يساعده السياق) ، أو (هذا ما يستدعيه السياق
(1) انظر: تفسير أبي السعود 5/ 7.
(2) السابق نفسه.
(3) انظر: السابق 5/ 396.
(4) السابق نفسه.
(5) السابق نفسه.