إن النظرة المتأنية في تفسير أبي السعود تكشف عن ركائز عامة مهمة سار عليها القاضي في تفسيره كله، حتى إنها لا تكاد تتخلف. وأبو السعود وإن لم يكن قد صرَّح بمنهجه في مقدمة تفسيره كما فعل غيره من مفسري عصره [1] ، إلا أن معايشتي للتفسير جعلتني أدرك أهم الأسس المنهجية الحاكمة لمسلكه فيه، وسأحاول بيان بعضها فيما يأتي.
راعى أبو السعود في تفسيره آيات الله - عز وجل - مجموعة من المبادئ، وهي وإن لم تجتمع في كل آية على حيالها إلا أن تكرارها في تفسيره على نحو يكاد يطرد يجعل منها أسسا ودعائم لمنهجه في التفسير أجمع، وفيما يلي بيان أهمها:
(1) عُني أبو السعود ببيان المعنى المعجمي للمفردة القرآنية ما دعت ضرورة فهم الآية وتفسيرها إلى ذلك، ومنه قوله - عز وعلا: {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ} [الأعراف: 182] ، قال أبو السعود:" {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ} أي: نستدنيهم ألبتة إلى الهلاك شيئًا فشيئًا، والاستدراج استفعال من (دَرجَ) إما بمعنى (صِعد) ثم اتُّسع فيه فاستعمل في كل نقل تدريجي سواء كان بطريق الصعود أو الهبوط أو الاستقامة، وإما بمعنى مشى مشيًا ضعيفًا، وإما بمعنى طوى. والأول هو الأنسب بالمعنى المراد الذي هو النقل إلى أعلى درجات المهلك ليبلغ أقصى مراتب العقوبة والعذاب، ثم استُعير لطلب كل نقل تدريجي من حال إلى حال من الأحوال الملائمة للمنتقل الموافقة لهواه، بحيث يزعم أن ذلك ترقٍّ في مراقي منافعه مع أنه في الحقيقة تردٍّ في مهاوي مصارعه" [2] .
وأيضًا منه ما جاء في بيانه معنى (باخع) من قوله - عز وجل-: {طسم (1) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 1 - 3] . قال - رحمه الله-: {بَاخِعٌ نَفْسَكَ} "أي: قاتل، وأصل البخع أن يبلغ بالذبح النخاع، وهو عرق مستبطن الفقار، وذلك أقصى حد الذبح" [3] . فبيان أبي السعود - رحمه الله - المعنى الأصلي للبخع صور في النفس مدى حزن النبي - صلى الله عليه وسلم - ومشقته على نفسه حرصا منه على إيمان قومه - صلى الله عليه وسلم - حتى إنه يكاد يقتل نفسه أسفا على إعراضهم.
(1) انظر: النحو وكتب التفسير لإبراهيم عبدالله رفيدة، الدار الجماهيرية للنشر، ط/3، 1399 ه،1990 م، 2/ 986.
(2) تفسير أبي السعود: 3/ 275.
(3) تفسير أبي السعود: 5/ 191.