كان من منهج أبي السعود التنبيه على بعض الأوجه المحترز عنها لما قد تفضى إليه من إفساد المعنى، أو لما فيها من مخالفة قواعد الصناعة النحوية التي عليها النحاة.
من ذلك ما جاء في قوله - عز وعلا-: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [المائدة: 17] .
ذكر أبو السعود أن المراد من قوله: (يخلق ما يشاء) أنه - تعالى- يخلق ما يشاء من أنواع الخلق والإيجاد على أن (ما) نكرة موصوفة محلها النصب على المصدرية لا على المفعولية، كأنه قيل: يخلق أيَّ خلق يشاؤه، فتارة يخلق من غير أصل كخلق السماوات والأرض، وأخرى من أصل كخلق ما بينهما: فينشئ من أصل ليس من جنسه كخلق آدم وكثير من الحيوانات، ومن أصل يجانسه إما من ذكر وحده كخلق حواء، أو أنثى وحدها كخلق عيسى عليه السلام، أو منهما كخلق سائر الناس [1] .
فقد اختار - رحمه الله - نصب (ما) على المصدرية، واحترز من نصبها على المفعولية لأن معنى المصدرية أنسب للمقام؛ حيث بيان قدرة الله المطلقة على الخلق والإعدام وأن عيسى - عليه السلام - من جملة ما خلق إزاحة لشبهة إلاهيته المدعاة من قبل النصارى، فليس عيسى بأعجز في خلقه من آدم - عليهما السلام - لذا استبعد أبو السعود النصب على المفعولية احترازًا من ذهاب هذا المعنى. والله أعلم.
ومنه قوله - تعالى اسمه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ} [المائدة: 106] .
قال أبو السعود - رحمه الله-:" (لا نشتري به ثمنا) جواب للقسم، وليس هذا من قبيل ما اجتمع فيه قسم وشرط، فاكتُفي بذكر جواب سابقهما عن جواب الآخر كما هو الواقع غالبا؛ فإن ذلك إنما يكون عند سد جواب السابق مسد جواب اللاحق لاتحاد مضمونهما كما في قولك: والله إن أتيتني لأكرمنَّك، ولا ريب في استحالة ذلك ههنا؛ لأن القسم وجوابه كلاهما منفصل، وقد عرفت أن الشرط من جهته تعالى" [2] .
(1) انظر: تفسير أبي السعود 2/ 449.
(2) تفسير أبي السعود 2/ 561.