لم يكن تعدد الوظائف النحوية في حالة الجر من الكثرة بما يمكن مقارنته مع حالتي الرفع والنصب؛ ذلك لأن الوظائف النحوية في باب المجرورات أقل منها في بابي المنصوبات والمرفوعات، ولذلك جاءت نماذج التعدد الممثلة لحالة الجر قليلة في تفسير أبي السعود دائرة حول وظائف المضاف إليه والمقسم به والبدل والنعت والمعطوف.
ففي قوله - تعالى وعز-: {تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ} [المائدة: 106] .
تعدد توجيه لفظ الجلالة (الله) بين الجر على أنه مضاف إليه أو الجر على القسم بحرف قسم محذوف، قال أبو السعود:" (ولا نكتم شهادة الله) أي: الشهادة التي أمرنا الله - تعالى - بإقامتها، معطوف على (لا نشتري) داخل معه في حكم القسم، وعن الشعبي أنه وقف على (شهادة) ثم ابتدأ (آلله) بالمد على حذف حرف القسم وتعويض حرف الاستفهام منه، وبغير مد كقولهم: الله لأفعلن" [1] .
فعلى الوجه الأول - وهو ظاهر التركيب - لفظ الجلالة مجرور على التعظيم بإضافة الشهادة إليه - عز وجل -، يعني: لا نكتم شهادة الله - تعالى - عندنا [2] .
وعلى هذا التوجيه فإن الكلام موصول لا وقف فيه؛ لأن (ولا نكتم شهادة الله) عطف على قوله: (لا نشتري) فتكون من جملة المقسم عليه فلا يُفصَل بينهما بالوقف [3] .
وأما الوجه الثاني فتمثله قراءة من قرأ بالوقف على (شهادة) بإسكان الهاء وابتدأ بلفظ الجلالة بهمزة ممدودة (آلله) ، أو بهمزة قطع قصرا من غير مد (ألله) [4] .
فإسكان هاء (شهادة) للوقف عليها، والمد في همزة (آلله) لأن همزة الاستفهام صارت عوضا من حرف القسم، حيث لا يجمع بينهما فيقال: أوالله لأفعلنّ؟ [5]
وأما قطع همزة الجلالة (ألله) من دون مد، فإنه لإثبات همزة الوصل التي إنما تقطع إذا وقف على ما قبلها ثم استؤنف [6] .
(1) تفسير أبي السعود 2/ 562.
(2) جامع البيان للطبري 9/ 80، وانظر: منار الهدى للأشموني ص: 126.
(3) منار الهدى للأشموني ص: 125.
(4) وهي قراءة الشعبي فيما روي عنه، انظر: المحتسب لابن جني 1/ 221، جامع البيان للطبري 9/ 80.
(5) المحتسب لابن جني 1/ 221.
(6) السابق 1/ 221.