فكأن وجه الكلام هنا على أن الشاهدين يقسمان بالله: لا نشتري به ثمنا ولا نكتم شهادة عندنا، ثم ابتدآ يمينا باستفهام الله إنهما إن اشتريا بأيمانهما ثمنا أو كتما شهادة عندهما إنهما من الآثمين [1] .
وأوضحُ للمعنى من هذا ما قاله ابن جني معلقا على هذا الوجه في القراءة والإعراب حيث قال:"وأما سكون هاء (شهادة) فللوقف عليها ثم استؤنف القسم، وهو وجه حسن؛ وذلك ليستأنف القسم في أول الكلام فيكون أوقر له وأشد هيبة من أن يدرج في عُرض القول؛ وذلك أن القسم ضرب من الخبر يذكر ليؤكد به خبر آخر، فلما كان موضع توكيد مكن من صدر الكلام، وأعطي صورة الإعلام والإعظام" [2] .
فكأنه - والله أعلم - قال: أنقسم بالله إنا إذا لمن الظالمين؟ ففي هذا تهُّيب منهم للموضع وتكعكع عن القسم عليه باستحقاق الظلم عنه [3] .
وفي قوله - عز وعلا: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الأنعام: 74] .
تعدد جر (آزر) بين أن تكون بدلا أو عطف بيان وبين أن تكون نعتا [4] .
فكلمة (آزر) مفتوحة الزاي والراء بزنة (آدم) [5] ، وهي ممنوعة من الصرف لعلتي العلمية والعجمة، ولذلك جر بالفتحة [6] ، وهو ما عليه قراءة الجمهور [7] .
وقد اختلف توجيه جر (آزر) تبعا للاختلاف في معناها: فهي عطف بيان أو بدل إذا كانت لقبا لأبي إبراهيم - عليه السلام - أو اسما لصنم لُقب هو به للزومه عبادته [8] . وهي نعت ل (أبيه) إذا أريد بها أن تكون
(1) انظر: جامع البيان للطبري 1/ 80.
(2) المحتسب لابن جني 1/ 221.
(3) السابق 1/ 222.
(4) انظر: تفسير أبي السعود 3/ 73.
(5) اللباب لابن عادل 8/ 229.
(6) معاني الفراء 1/ 340. وانظر: تفسير أبي السعود 3/ 73.
(7) انظر: النشر لابن الجزري 2/ 259، المغني لمحيسن 2/ 59.
(8) تفسير أبي السعود 3/ 73.