فهذا الوجه فيه فصم لعرى المعنى؛ لأن بيان الموالي بما ذكر يفوِّت الإبهام المصحح لاعتبار التفاوت بينهم كما أشير إليه في ثنايا الوجه الأول؛ حيث لكل وارث نصيب معين مغاير لنصيب غيره [1] ، فضلا عما فيه من خروج الأولاد من الموالي، إذ لا يتناولهم الأقربون كما لا يتناولهم الوالدان [2] .
(العَسْف) الأخذ على غير الطريق [3] ، ويقال: عَسَفَ الطريقَ، أي: سار فيه على غير هدى، وعَسَف عنه أي: عدل وحاد، وعَسَف في الأمر فعله بلا روية ولا تدبر، وعَسَف الدمعُ الجفونَ: كثر فجرى في غير مجاريه، وتعسَّف في الكلام: تكلَّف [4] .
رد أبو السعود - رحمه الله - بعض التوجيهات لما رآه فيها من تكلف وتعسف، سواء في ذلك على صعيد المعنى أو على صعيد التركيب، فترددت في تفسيره عبارات مثل (تعسف مستغنًى عنه) أو (اعتساف بيِّن يجب تنزيه النزيل عن أمثاله) أو (تعسف ظاهر) .
ومما ردّ فيه بعض الأوجه لما فيها من التعسف ما جاء في قوله - عز وجل: {قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} [يونس: 49]
قال أبو السعود: (إلا ما شاء الله) استثناء منقطع والمعنى: ولكن ما شاء الله كائن. وردّ أن يكون الاستثناء متصلا على معنى: إلا ما شاء الله أن أملكه؛ حيث يأباه مقام التبرؤ من أن يكون له - عليه السلام - دخل في إتيان الوعد [5] .
قال أبو السعود:"وجعل (ما) عبارة عن بعض الأحوال المعهودة المنوطة بالأفعال الاختيارية المفوضة إلى العباد على أن يكون المعنى: لا أملك لنفسي شيئا من الضر والنفع إلا ما شاء الله أن أملكه منهما: من الضر والنفع المترتبين على الأكل والشرب عدما ووجودا - تعسف ظاهر" [6] .
(1) انظر: السابق 2/ 279 حيث فصل المعنى على الوجه الأول وقد اختصرته.
(2) السابق 2/ 280.
(3) مختار الصحاح لمحمد بن أبي بكر الرازي مادة (عَسَفَ) ، مطبعة مصطفي البابي الحلبي، د/ط، 1369 ه-1950 م، ص: 456.
(4) انظر: المعجم الوسيط مادة (عسف) ، قام بإخراجه نخبة من العلماء، مجمع اللغة العربية، 2/ 600، 601.
(5) انظر: تفسير أبي السعود 3/ 508.
(6) السابق نفسه.