ذكر أبو السعود ثلاثة أوجه في إعراب الموصول وردّ وجها رابعا لما يترتب عليه من تفكيك النظم، قال - رحمه الله:"الموصول إما موصول ب (أولى الألباب) مجرور على أنه نعت كاشف له بما في حيز الصلة، وإما مفصول عنه مرفوع أو منصوب على المدح أو مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، وقيل: هو مرفوع على الابتداء والخبر هو القول المقدر قبل قوله (ربنا) ، وفيه من تفكيك النظم الجليل ما لا يخفى" [1] .
ويبدو لي أن أبا السعود - رحمه الله - كان معه كبير الحق في رده الوجه الأخير، وأحسب أن قصده بتفكيك النظم فصل معنى الآيتين، فثلاثة الأوجه التي أجازها ليس فيها ذلك الفصل في المعنى؛ فوجه النعت أساسه على اتصال التركيب، ووجه المدح رفعا ونصبا وإن كان منفصلا من حيث التركيب إلا أن المعنى على الاتصال، فسواء كان التقدير: هم الذين أو أعني الذين، فإن الموصول بما في حيز صلته يدل على أن المقصود بأولي الألباب الذين لا يغفلون عنه - تعالي - في عامة أوقاتهم. وأما ثالث الأوجه برفع الموصول خبرًا لمحذوف فظني أن وجه الرفع على المدح كان عنه مغن.
والمعنى على الوجه المردود ليس هكذا، فمعناه - على اعتبار (الذين) مبتدأ خبره القول المحذوف-: الذين لا يغفلون عن الله - تعالى - عامة أوقاتهم يقولون ربنا إلخ، فليس فيه ما في الأوجه السابقة من اتصال المعنى بالإشارة إلى أن هؤلاء الذاكرين هم أنفسهم أولوا الألباب في الآية قبلها. والله - عز وجل - أعلم بالمراد.
ومثل ذلك ما جاء في قوله - تبارك اسمه-: {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ} [النساء: 33] .
ذكر أبو السعود أن قوله: (ولكل جعلنا ... ) جملة مبتدأة مقررة لمضمون ما قبلها والمعنى: لكل قوم جعلناهم موالي - أي ورثة - نصيب معين مما ترك الوالدان والأقربون، على أن (جعلنا موالي) صفة ل (كل) وأصل الكلام: جعلناهم موالي، فحذف الضمير الراجع ل (كل) ، والكلام مبتدأ وخبر على طريقة قولك: لكل من خلقه الله إنسانا من رزق الله أي: حظ منه [2] . وعليه، فإن (الوالدن والأقربون) فاعلان للترك.
قال أبو السعود:"وأما ما قيل من أن المعنى: لكل أحد جعلنا موالي مما ترك، أي: وُرّاثا منه - على أن (مِنْ) صلة (موالي) لأنه في معنى الوارث، وفي (ترك) ضمير مستكن عائد على (كل) ، وقوله تعالى: (الوالدان والأقربون) استئناف مفسر للموالي كأنه قيل: من هم؟ فقيل: الوالدان - ففيه تفكيك للنظم الكريم" [3] .
(1) تفسير أبى السعود 2/ 203.
(2) تفسير أبي السعود 2/ 279.
(3) السابق 2/ 280.