ففي الشاهدين السابقين تغيرت وظيفة الكلمة من الفاعل إلى المفعول به بسبب تغير قراءة الفعل باختلاف تصريفه من (نَزَل) ثلاثيًا لازمًا إلى (نزّل) متعديًا بتضعيف عينه، وكذلك من (ظهر) إلى (أظهر) متعديًا بهمزة أَفْعَل.
كثرت شواهد هذا التعدد في القرآن الكريم عامة؛ لأنه يرجع إلى الاختلاف في ضبط بنية الفعل؛ فيختلف تصريفه من المبني للفاعل إلى المبني للمفعول، وقد اختلف القراء في ذلك اختلافًا كبيرًا، مما أدى بدوره إلى تغيير إعراب بعض الكلمات داخل التركيب. ومن شواهد ذلك ما جاء في قوله - تعالى-: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} [المائدة: 96] .
ذكر أبو السعود قراءة أخرى ببناء (حرم) للفاعل، ونصب (صيدَ) [1] ، فتكون مفعولًا به، أي: وحرَّم الله عليكم صيد البر ما دمتم محرمين. وقد كانت على القراءة الأولى نائب فاعل [2] .
ومنه أيضًا ما جاء في قوله - عز وجل: {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [التوبة: 109] .
ذكر أبو السعود في قوله: (أفمن أسس بنيانه) عدة قراءات [3] ، منها:
قراءة ببناء (أسس) للفاعل، ونصب (بنيانه) مفعولًا به، والفاعل ضمير (مَنْ) ، وقراءة أخرى ببنائه للمفعول ورفع (بنيانه) نائبًا عن الفاعل [4] . [5]
(1) قرأ الجمهور ببناء (حرم) للمفعول. وقرأ بالبناء للفاعل (حَرَّم) ، ونصب (صيدَ) ابن عباس. انظر: المحرر الوجيز لابن عطية 2/ 242، البحر المحيط لأبي حيان 4/ 27.
(2) انظر: تفسير أبي السعود 2/ 548،. وانظر: أيضًا روح المعاني للألوسي 7/ 31.
(3) انظر: تفسير أبي السعود 3/ 441.
(4) قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي (أَسَّس) بفتح الهمزة، ونصب النون من (بنيانَه) ، وقرأ نافع وابن عامر (أُسِّس) بضم الهمزة ورفع (بنيانه) . انظر: الحجة للفارسي 4/ 218، إبراز المعاني لأبي شامة ص: 501.
(5) انظر: تفسير أبي السعود 3/ 441.