دفعت عناية أبي السعود بالمعنى، وحمله النظم على أبلغ الدلالات وأجزل المعاني دفعاه في بعض الأحيان إلى مخالفة الجمهور، ومخالفة ما عليه قواعد الصناعة النحوية، فتكررت في تفسيره عبارة:"وأما ما استقر عليه الجمهور فغير خليق بجزالة التنزيل وفخامة شأنه الجليل"، وهذه العبارة وما في معناها مما جرى على لسان أبي السعود لا تعني أنه غير مبالٍ أبدا بموافقة الجمهور، أو مؤثر للخروج على قواعد الصنعة الإعرابية عمدا، وإلا ما كان ليردَّ بعض التوجيهات لما فيها من مخالفة الجمهور ومخالفة القواعد النحوية [1] ، فالمعيار عند أبي السعود هو وفاء التوجيه الإعرابي بحق المعنى والمقام، واضعا نصب عينيه سياق الآي بشقيه: السباق واللحاق، فإن وفَى السير في ركاب الجمهور، والارتباط بالقواعد بذلك فبها ونعمت، وإلا فهي في عرض الحائط ولجة اليم ما دام في مخالفتها بلوغ المعنى إلى أرقى مراقي البلاغة وفقا لرؤية أبي السعود.
ومما خالف فيه قواعد الصناعة التي أطبق عليها جمهور النحاة ما جاء في قوله - عز وعلا {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30] .
جُوِّز في فعلَيْ الجعل في الآية أن يكونا من الجعل بمعنى الخلق فيتعديا لمفعول واحد، وحينئذٍ فلا شاهد فيه، وجوز أن يكونا من الجعل بمعنى التصيير فيتعديا لمفعولين، وهذا موطن الشاهد [2] .
ومفعولا الجعل من قوله (إني جاعل في الأرض خليفة) - وفقا لما هو مقتضى الصناعة - أولهما (خليفة) وثانيهما الظرف المتقدم (في الأرض) ؛ فإن مفعولي التصيير في الحقيقة اسم صار وخبره، أولهما الأول وثانيهما الثاني، وهما مبتدأ وخبر، وأصل التركيب: في الأرض خليفة، ثم قيل: صار في الأرض خليفة، ثم مُصيرٌ في الأرض خليفة، فمعناه بعد اللتيا والتي: إني جاعل خليفة من الخلائف أو خليفة بعينه كائنا في الأرض. فإن خبر صار في الحقيقة هو الكون المقدر العامل في الظرف [3] .
(1) انظر: توجيه قوله - تعالى-: {فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ} [يونس: 74] ، حيث رد قول من قال بسببية الباء لما يؤدي إليه من مخالفة الجمهور من جعل (ما) المصدرية من قبيل الأسماء. انظر: تفسير أبي السعود 3/ 529.
(2) انظر: تفسير أبي السعود 1/ 166، 167.
(3) انظر: تفسير أبي السعود 1/ 166. وانظر: الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل لجار الله الزمخشري، شرحه وراجعه يوسف الحمادي، مكتبة مصر، د/ط، 2000 م، 1/ 117، وأنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي، تحقيق مجدي فتحي السيد وياسر سليمان أبو شادي، المكتبة التوفيقية، د/ط، د/ت، 1/ 62.